
في لحظة من لحظات حياتنا، عندما نكون مكتوفي الأيدي وجالسين بوضعية ساكنة أو عندما نتأمل في حدقة عيوننا التي تعكس بنفسها في المرآة التي تقف أمامنا، نشعر بإحساسٍ غريب وكاستفاقة شعورية مفاجئة نجد أمامنا تلك الحقيقة العارية في لحظةٍ محرجة وغير متوقعة.
و جميعنا نعلم بأننا نعيش ونلاقي هذه اللحظات بشكل مستمر ومتتالي، ولكننا في كثير من الأحيان لا نبالي بهذه الحقيقة ولا نرغب بالإنتباه إليها بل نترك أنفسنا نسير في مجرى الأحداث اليومية التي لا تخلو من الروتين والتكرار الدائم. كما إننا في كثير من الأحيان كنا ننضم إلى التظاهرات والإحتجاجات العامة بحماس وحرارة كبيرة ومن كافة الاتجاهات كانت أصوات الشعارات والصرخات والتعويلات ترتفع بصدى ورنينٍ واحد، ومرة أخرى كنا نلاقي أنفسنا أمام صفوف كبيرة من الشرطة والبوليس وجهاً لوجه وبموجاتٍ عنيفة من الأجساد التي تؤلف حشداً هائل من الرؤوس التي تثور فيها الأسئلة والتناقضات المعقدة. وكأن تلك اللوائح والشعائر المكتوبة كانت أعتق وأقدم من أسوار وجدران آلاف السنين، وفي تلك اللحظة التي واجهت فيها ذاك الشرطي المجهول كنت أتسائل مع نفسي:” هل هذا الشرطي ينتمي إلى كوكبٍ آخر أم أنا التي أتيت من كوكبٍ غريب؟”، وهكذا كنت أحاول معرفة الهوية التي ننتمي إليها.
فدائماً كنت أوافق على الإنضمام الديمقراطي، ولكن لم تخلق لدي أي فكرة حول الطراز الذي يجب أن أختاره لحياتي وكيفية تعين الفئة التي سأعيش معها طوال حياتي.. فمنذ بداية حركة تحرير المرأة وحتى الآن ثابرت الكثير من النساء بدرجة عالية من الكفاح في هذه المسيرة وفي كثير من الأحيان كنا نلقي على بعضنا أسئلة حياتية ومصيرية عديدة، وبنفس الوقت نواجه عدداً لا يحصى من النساء الذين لا يهتمن ولا يبالين بهذه المسائل والأسئلة المصيرية التي كانت سبب شكوكنا و تناقضاتنا الدائمة نحو المستقبل.
ولأجل أستوعاب حالة النساء المتناقضة والمعقدة ومدى صعوبة الموافقة على الحياة يكفي أن نستمع لموجز الأنباء اليومية في الوسائل الإعلامية التي تقدم لنا كافة التطورات والأحداث اليومية. فعندها سنرى نساء السياسة اللواتي تلقين الخطابات الحارة في المناصب والمجالس الحكومية، وبنفس الوقت سنجد في سجن أبو غريب تلك المرأة الجلادة التي تبتسم رغم فعلتها الشنيعة، والنساء العاملات اللواتي تسخرن حياتهن لتلك الآلات والماكينات الحديدية في سبيل استقلالهن الإقتصادي، وهناك في الأسواق اللحمية نجد عدداً لا يحصى من ذاك الجنس الذي يسمى بنساء الحياة يقومون ببيع عضو من أعضاء أجسادهن كل يوم لأحد الرجال.. ونحن النساء الكردستانيات منذ أعوام طويلة تم إنضمامنا إلى الكفاح الديمقراطي بشكل فعال وفي سبيل تصعيد وتيرة هذا النضال أصبحنا نتظاهر في الشوارع وأمام مباني الدولة، ونحارب في الخنادق وفوق المراصد الجبلية الموحشة بدون الشعور بأي إحساس من الكلل والملل، بحيث أن السعادة والفرحة التي كنا نشعر بها كانت عظيمة وفي غاية الروعة أثناء سيرنا مع رفيقاتنا اللواتي حاربن وكافحن معنا جنباً إلى جنب أو أثناء خوض الحروب والصراعات العنيفة لوحدنا بأمل العودة إلى بيوتنا وعوائلنا ووظائفنا ووحدتنا العميقة، وبهذه الآمال أصبحنا نسير إلى الأمام ونتحدى كافة الصعاب والمحن التي كانت تعيق سبيلنا بدرجة عالية من المعنويات للحصول على تلك اللحظة المليئة بالسعادة والفرحة التي سرقت من لحظات الجنة وباتت في حوزتنا.. و أثناء العودة إلى تلك الحدود المحلية نجد مدى عمق تلك الغربة التي نشعر بها على الموائد التي صنعناها بأيادينا وكأننا نحل محل الضيوف الذين لا ينتمون بأية صلة إلى ذاك الوسط الذي تعودنا إليه.
وفي حين نجد بأن الكثير من النساء تلاقين ضربات أصواط البوليس بجسارة وجرأة كبيرة، نرى في الجزء الأخر من مسرح الحياة حالة النساء اللواتي تلاقين ضرب وإهانة أزواجهن في وضعية صامتة ومؤلمة، إلى جانب هذا نجد وضعية تلك الأمهات اللواتي يسحبن آذان أطفالهن ويهدونهم بكلمة(هش) أي أسكت عندما يبكون ويصرخون من الألم ويفرضون عليهم الخضوع والخوف منذ نعومة أظفارهم..
عندما نعين ساحات كفاحنا ونبحث عن منبع نقاط ضعفنا، ننسى الساحة الأساسية لحياتنا ونتساءل عن خنادقنا الضائعة؟ وبعد ذلك نقوم بإلقاء العتب والذنب على الدولة ومؤسساتها الرسمية دون أن نلفت بنظرنا إلى الوراء لنجد تلك الساحة الأجتماعية والديار التي تسبب لنا المعاناة والتشائمات النفسية العميقة، أي أن تلك الساحة قد تحولت إلى مركز المخاوف والقلق والإضطرابات النفسية. لهذا فقد وصلت إلى هذه القناعة التي تؤكد مدى ضرورة مراجعة أفكارنا وإعتقاداتنا القديمة نحو سبب أنضمام الألاف من الفتيات إلى هذه الحركة، لأن الكثير من العائلات مازالوا يعتقدون بأن بناتهم قد خطفوا وسرقوا منهم والكثير منهم يفتخرون بهم ويرفعون رأسهم بين الناس على حساب جهود وتضحيات بناتهم اللواتي ينضممن إلى صفوفنا. ولكن إذا قمنا بحفر مغزى هذه الحقيقة سنجد أشياء ومعاني مخفية وغامضة كثيرة. فتلك الفتاة التي تهرب إلى صفوفنا من واقعها المؤلم ومن ظلم وأعتداء أباها وزوجها اللذان يؤلفان القدم الأساسي لهذا المجتمع المتسلط والمتعجرف، فهي توأمة تلك الفتاة المنتمية من منطقة جزيرة بوطان التي هربت من بين عجلات الدبابات ومن ظلم واستبداد الدولة التركية الفاشية إلى صفوفنا، وهكذا قمنا بتنظيم وتثقيف أنفسنا وأنجررنا نحو ساحات السياسة والحرب وتحولنا إلى مصارعات في ميادين الصراعات الدولية. وتم دخولنا إلى هذه الساحات برداء الهوية الإيديولوجية للحركات الثورية والأحزاب السياسية والحركات النسائية المطرفة (feminizim)، وفي النتيجة نجد بأن الإستقلال والحريات الجزئية التي حققناها باتت كلبسٍ ضيق يشد النطاق علينا ويعيق حرية الحركة والسير في داخلنا. واليوم عندما نستوعب هذه الحقيقة نرى بأننا متعصبات ومذنبات قليلاً، لأننا بأنفسنا قمنا بخلق هذا التشابه وقمنا برسم حرية محدودة وتعيين هوية مرحلية لكفاح حركتنا التحررية، وبنفس الوقت فقد وافقنا على أن تكون هذه الإنجازات ملكً عاماً يخدم مصلحة ومنفعة النظام العام أكثر من أن تخدم هذه الحركة التي تجاهد في سبيل حرية المرأة بسلبياتنا ونقاطنا الضعيفة.
ان الكفاح الديمقراطي قد وصل إلى مستوى مواجهة سؤال كيف نعيش؟ في هذا القرن الذي نحيا فيه ونجح في الوصول إلى مستوى يشمل هوية كافة الساحات الاجتماعية للتجاوب على هذا السؤال، لأننا حتى هذا اليوم نجد بأن النضالات الديمقراطية كانت تشبه وضعية إنسانٍ مصاب بمرض الربو ويعيش على الكمامات التي توضع على شفاهه لأخذ وأعطاء الأوكسحين، لهذا فيجب أن لا ننسى بأن المريض مازال مريضاً وما يزال بحاجة ماسة إلى العون والمساعدة للوصول إلى صحته الطبيعية.
أن الديمقراطية والمجتمع الأكولوجي والذهنية الجديدة وثقافة الشعوب الغنية وتعددية الفكر والأثنيات ستتطور عبر الأهداف والنماذج البديلة لتطوير هذا المجتمع. ولكن بشرط أن نحرر هذه المشاريع والأهداف البديلة من إزدواجية السياسة الضيقة ونشرها في كافة الساحات الأجتماعية، ويجب أن ننظر إلى حقيقية المجتمع الحالي من الناحية الأخلاقية والثقافية على إنه أخطر من مؤسسات الدولة والقوات العسكرية في الجيش لأنه قد تحول إلى مكان ومركز أساسي لأسارة النساء والأطفال والشيوخ، ويجب أن نثبت الأسلحة التي سنحارب بها ضد ذهنية اللامساواة والتفرقة وكافة أشكال العنف والشدة في هذه المرحلة المقبلة.
منذ بداية المجتمع الطبيعي وحتى الآن نملك ثقافة غنية خاصة بنا وعريقة، فمهما تكن قديمة وعتيقة فهي تحضن في داخلها علاقة الإنسان والطبيعة الجوهرية ومفهوم سليم لعلاقة الإنسان مع الإنسان. ورغم عقد التوازنات السنية على حقيقة هذه العلاقات في ما بعد نجد بأن أحلامنا وآمالنا تثبت صحة هذه العلاقة بشكلٍ ساطع. فتلك النساء اللواتي حكمن في المحاكم وأحرقن في النيران بتهمة الشعوذة هن القدوة والشعلة التي تنير دروبنا في هذه القضية التاريخية، وسنتابع طريقهم ودروبهن إلى النهاية لأننا إذا رفعنا أنوفنا إلى الهواء سنستطيع أن نشم رائحة اللحوم المحرقة، لهذا فالسير في هذه المسيرة بعزم وإدعاءٍ كبير سيكون من مهامنا الأساسية.
وهكذا نجد بأن حركة تحرير المرأة بطليعة وحدات المرأة الحرة تقع في حيز الإجبار للقيام بتنظيم نفسها وتوسيع نطاق حركتها في كافة أجزاء كردستان وإعلان الثورة الثقافية والجنسية على الصعيد العالمي، وضرورة تعيين الأهداف والسبل التي سنفتح بها أبواب هذه المرحلة. وبالأخص نرى بأن النضال يفرض علينا الإبتداء من القرى والنواحي حتى التوسع في المدن والدول الكبيرة. لأن الرجعية الدائمة وسياسة الدولة البيروقراطية والعنف المؤقت لن يستطيع إنشاء وبناء المجتمع الديمقراطي والأكولوجي.
فمن يستطيع أن يؤكد لنا بأننا ناضلنا لفترة قصيرة ؟ ومن يستطيع أن يؤكد لنا بأننا لم نصرخ ونصارع في الميادين ؟
من المحتمل أن يكون الجواب نعم أولا، ولكن من المؤكد أننا لم نستطع أن نحيا كما نشاء وبشكلٍ حر..






