
الحضارة الطبقية المستندة إلى الدولة هي تاريخ المؤامرة . بدأت هذه المؤامرة في عملية سيطرة الإله الذكوري انكي على قيم الآلهة الأم الأنثى إينانا ، أي بمعنى سيطرة ذهنية الرجل المخادع المحنك على مقدرات المجتمع الطبيعي ذات الطبيعة الامومية الأنثوية . وهي بنفس الوقت تعني سيطرة فئة أو حفنة طفيلية متنفذة في المجتمع على المنتج أو القيمة الزائدة . هكذا وعلى هذا المنوال تطورت هذه العملية القائمة على الاستغلال عن طريق اللعب على الحقائق والكذب والخداع والحنكة المستندة إلى العقل ( الذكاء ) التحليلي لثقافة الصيد الذكورية ضد قيم المجتمع القروي الطبيعي الزراعي . وكنتيجة لهذا الاغتصاب
ضد قيم المجتمع الطبيعي المادية و المعنوية ، تطورت بذرة مؤسسة الدولة في الزوايا المظلمة والغرف السرية للمعابد السومرية والواقعة في قلب المدن الأولى في التاريخ . إذاَ حسب هذا السرد المختصر يجب القول بان المؤامرة تعني ما يلي : الحيلة ، الكذب ، الخداع ، الفتنة ،التزوير وقلب الحقائق ، رمي كل القيم الأخلاقية للإنسانية بعرض الحائط ، استخدام كل العلاقات الاجتماعية مثل الصداقة والاحترام والحب في سبيل نصب المكائد والمصايد والسيطرة على الوضع . إذاَ يجب أن نستنتج من هذا كله ، بان الدولة كمؤسسة قمعية معادية للقيم الإنسانية ( المادية منها والمعنوية ) نمت وترعرعت على أرضية المؤامرة . لذا تظهر العبث
بين ثنايا الأسئلة التالية : لماذا تقوم الدولة بالمؤامرة ، لماذا يكذب رئيس الحكومة ، لماذا تمارس مؤسسات الدولة القمع ، والاستغلال ،الإرهاب والديماغوجية !؟والجواب بسيط ، لأنها كمؤسسة مبنية في الأساس على هذه الخصوصيات المتناقضة مع طبيعة الإنسان ككائن مجتمعي وكومونالي في أصله وخلقته . ولكن هذه الخصوصية التآمرية لمؤسسة الدولة لم تبقى كما هي على حالتها الأولى بل اكتسبت ألوان ومزايا وأدوات جديدة ومعقدة وأكثر دقة واتقانا مع مرور الزمن . فكلما تعمقت عملية تمأسسة الدولة وتجذرها, تعمقت وتجذرت نظرية المؤامرة وممارستها لدى الدولة ضد المجتمع أكثر فأكثر .
ولكن رغم التغيير والتحول الحاصل , إلا آن الهدف والمحتوى حافظت على طبيعتها الأصلية منذ خمسة ألاف سنة من عمر الدولة وظاهرة التآمر . الهدف هو تصفية المجتمع عبر القضاء على خصوصيته الأخلاقية وإرادته في إدارة نفسه وتحويله إلى قطيع من العبيد تنتج القيم المادية لمؤسسة الدولة وتطيع كل أوامرها بجهالة وخوف رهيبين . والمحتوى أيضا يكن في الكذب والديماغوجية والحيلة مع تغيير الوسائل والأدوات والتجذير في الإتقان والدقة . من هنا نتلمس تغييرا كبيرا في شكل وحجم ظاهرة المؤامرة ، لان هذا التغيير قد طرأ على مؤسسة الدولة أيضا. إذاَ هناك تناسب طردي في العلاقة الجدلية فيما بين مؤسسة الدولة وظاهرة المؤامرة عبر تاريخ الممتد إلى خمسة آلاف سنة .
فكلما تغير شكل الدولة وحجمها ، تغير معها شكل المؤامرة وحجمها والعكس هو الصحيح . لان هاتين الظاهرتين “المؤامرة والدولة ” متلازمتان ووجهان لعملة واحدة منذ البداية .
إلى جانب هذه العلاقة الإلزامية بين المؤامرة والدولة ، فإننا نتلمس خصوصية أخرى للمؤامرة وهي إنها رغم نجاحها في هدفها الساعي إلى تصفية آلية الدفاع لدى المجتمع الأنساني على المدى القريب والمرحلي ، إلا إنها تنكشف وتنقلب ضد مؤسسة الدولة على المدى البعيد والاستراتيجي في حال ظهور وتصاعد النضال المجتمعي الديمقراطي وتطور الدفاع الذاتي للإرادة الاجتماعية من الناحية الذهنية والأخلاقية والسياسية والتنظيمية وصولا إلى المقاومة الثورية العسكرية كخيار نهائي يضطر المجتمع للجوء إليه بغرض الدفاع المشروع الذاتي .
على ضوء هذا التقييم المختصر بصدد المؤامرة والدولة نريد تسليط الأضواء إلى بعض جوانب المؤامرة الكبرى ضد الإنسانية والشرق الأوسط في 15 شباط سنة 1999 .
إنها مؤامرة استهدفت القائد آبو في نهاية قرن العشرين وبداية قرن الواحد والعشرون ، وهي مؤامرة كبرى من حيث الشكل وحجم القوى المشاركة في حبكتها وأساليبها . أولا ، لماذا استهدفت هذه المؤامرة شخصية القائد آبو ، لاشك بان استهداف شخصية معينة من قبل المعابد السومرية العصرية وزواياها وغرفها السرية في لندن ونيويورك وتل أبيب ، لها دلالات اجتماعية وتاريخية وعالمية عميقة , لان النظام الحاكم العالمي عندما يقوم بمثل هذه المؤامرة الواسعة والعميقة والدقيقة ، فإنها تهدف إلى خلق حالة اجتماعية وتاريخية وعالمية منسجمة ومتناسبة مع مصالحها هي . وأما استهداف شخصية معينة عبر هذه المؤامرة ، فإنما يعني بان هذه الشخصية يمثل في جوهره وعمله عائقا اجتماعيا وتاريخيا وعالميا أمام مخططات هذه النظام المعادي للبشرية .
إذاَ ، هذه المؤامرة كانت بداية تدخل النظام العالمي الظالم بقيادة أمريكا في الشرق الأوسط بشكل فعلي وذلك بعد انهيار النظام الاشتراكي السوفيتي. وقد استوعب النظام شخصية القائد آبو كعائق أساسي وجذري رادع أمام هذا التدخل الهادف إلى تصفية كل ديناميكيات المقاومة وآليات الدفاع الذاتي المشروع في المنطقة . كما أدرك هذا النظام بأن وجود القائد آبو سوف يحال الى دون تمكنهم لاستخدام قوة المجتمع الكردستاني والورقة الكردية في المنطقة من أجل مصالحهم . كما ان الصهيونية العالمية أصرت على القيام بهذه المؤامرة لإرضاء حليفتها الإستراتيجية تركيا من جهة وللانتقام من القائد آبو بسبب عدم قبوله لسياستها الأنانية بصدد المسالة الكردية من جهة أخرى .
ثانيا ، كانت مؤامرة كبرى لا مثيل لها في التاريخ من ناحية حجم القوى والدول المشاركة فيها وشكلها وأساليبها . لاشك بأن سيدنا إبراهيم وسقراط وسيدنا عيسى وماني وسيدنا محمد أيضا تعرضوا إلى المؤامرات على يد مؤسسة الدولة ورموزها . ولكن هذه المؤامرة التي استهدفت قائد شعبنا وحركتنا على يد مؤسسة الدولة في عهد المدنية الرأسمالية الحداثوية ، مختلفة عن كل هذه المؤامرات التاريخية التي مرت . لقد اشتركت أكثرية الدول الإقليمية والأوربية و بعض القوى الأخرى بهذا الشكل أو ذاك في تنفيذ المؤامرة أو المساهمة في تسهيل تنفيذها بقيادة لندن وواشنطن وتل أبيب . حيث لا يمكن أن نعثر على مثل هذا الاتفاق والتطابق في أية قضية أو حرب أو صراع ولا في أي مرحلة تاريخية . والسبب الأساسي هو تمثيل القائد آبو لمنظومة فكرية مستندة الى الحرية والعدالة والمساواة ومتابعته الذهنية في البحث عن حلول خارج إطار نظام الحضارة العالمية المستندة الى الذهنية الدولتية والحروب الدموية والكوارث وأنماط من الحياة الهدامة والمعادية لطبيعة المجتمع البشري .
يتبع….





