
لقد كان وما يزال الشرق الأوسط وجهين لميدالية واحدة، كونه الأرض التي شهدت أول ثورة زراعية، ونسجت فيها أولى الخيوط من قبل الأمهات، وكتبت فيها أولى القصائد، وولدت الآلاف من الإلهات اللواتي قدمن أروع الهدايا للبشرية. ففي الوقت الذي يشكل هذا الوجه الأول للميدالية، فإن الوجه الثاني هو تحولها إلى بلاء على رأس البشرية، وفخ يصطاد أولاده يوميا نتيجة الجهل والتزمت الفكري، والنظرة الستاتيكية إلى المعرفة البشرية، وما هي إلا نسخة رديئة ميتة عن الماضي، ليصبح الحاضر مشغول بالماضي والمستقبل أسير لحاضر ضائع. بالطبع هذه المأساة ليست بصدفة، إنما هي تعبير عن حالة يحصل لأناس خانوا أمهاتهم وقيمهم بشكل لا مثيل له في التاريخ، وهذه هي حقيقة وأساس كل ما يعانيه الشرق من التراجيديات اليومية. إن مقولة “حل قضية المرأة هي أساس حل كل القضايا في الشرق الأوسط” يعود إلى الانكسار الذي تعرضت له في هذه الجغرافية قبل آلاف السنين، والذي أثر على البشرية جمعاء، لذلك إذا كنا نريد حل العقد الموجودة في المنطقة، في البداية يجب القضاء على كل ما يقيد حرية ووعي النساء، وتجاوز الظل الرجولي الذي بات مخيماً في كل مكان، وأن ننقذ الإنسانية من مشاهدة اللوحات الفظيعة من اللاديمقراطية والمجازر اليومية المرتكبة بحق النساء.
إن انضمام النساء بنسبة 3-5 % لمراكز صنع القرار في أغلب الدول الشرق الاوسط، رجم النساء، والانتحارات اليومية ومنع تأسيس المنظمات النسائية، واستخدام الدين بأشنع الأساليب لكسب المشروعية، والعنف اليومي الموجه ضدهن كجرائم الشرف، ظاهرة الختان، خير دليل على الواقع الذي يعيشه الفردالبشري في الشرق الأوسط، وبأنه لا يمكن أن يسود السلام وأن تفلح الأنظمة في حل أي أزمة مهما كانت صغرها وبساطتها. من أجل التخلص من هذا الواقع المزري يعتبر تأسيس وتطور المنظمات النسائية أمراً حياتياً لأن المرأة المنظمة والواعية تعني المجتمع المنظم والواعي، وبدخول المرأة الفعّال في مجالات الحياة كافة يمكن تجاوز العقليات المهترئة المعتمدة على السلطة الدكتاتورية الموجودة في المنزل والشارع والدولة، وعن طريقها يمكن أن تتطور إرادة الفرد الحر امرأة كانت أم رجلاً، بهذا الشكل فقط يمكن أن نفتح الطريق أمام النهضة الديمقراطية في هذه الأرض الطيبة. وانا كاأمرأة مناضلة في سورية أعمل بكل قوايا من أجل تجسيد هذا الدور المقدس في كفاحي اليومي.
وضع المرأة في سورية
كون سورية منطقة من مناطق الهلال الخصيب فإنها تعتبر مكان أقدم الحضارات التي نشأت على وجه البسيطة. فحضارة تل حلف، ماري، أوغاريت، واكتشاف الآلاف من تماثيل الإلهة الأم على أطراف نهري الفرات والخابور هو تعبير عن الغنى الحضاري الذي تمتاز به، وعلى الرغم من إن هذه الديار شهدت ولادة الكثير من النساء العظيمات أمثال زنوبيا، إلا أن طبيعة الأنظمة الذكورية التي عملت وبشكل دائم على كبح جماح المرأة وإبعادها عن الدور المنوط إليها، أسقطها مع الزمن لتكون جنساً من الدرجة الثانية وعنصراً متمماً للرجل. حين كان علينا أن ننهل من منابع تاريخنا ونبني أنفسنا، نرى بأن حقيقة الإلهات والملكات أصبحت من الأمور المنسية، والشخصيات التي هزت العالم كزنوبيا وغيرها أصبحن حكايات متوفية في التاريخ. بالطبع الانقطاع عن التاريخ، هو الانحراف الأساسي الذي يجب أن نراجع فيه أنفسنا، والتحقيق السليم في التاريخ هو الذي سيضعنا في الطريق الصحيح. ولأن معظم الأنظمة تحمل نفس الأفكار ونفس التطبيق فإن الوضع لم يتحسن، وتمأسست سلطة الرجل يوماً بيوم.
يمكن قول نفس الشيء بالنسبة لنظام حزب البعث الذي حكم البلاد خلال العقود الأربعة الأخيرة، فالميز في نظام الحكم الحالي والذي هو استمرارية للسابق، تجميده لكل أنواع التناقضات بحيث يريد تحويل المجتمع إلى مجرد قطيع لا غير، ويمكن رؤية هذا الأمر بشكل واضح في قضية المرأة أيضا، حيث ما يزال المطالبة بالحقوق أمر مخجل أو إساءة أو حتى يمكن الاستغناء عنها، وهذه أكبر جريمة يمكن أن ترتكب بحق الإنسان، لأن العبودية أمر معروف، إلا أن عدم الرغبة في التحرر يعتبر أكثر الأمور فظاعة ويعني الرضى بالواقع، وهي السياسة المطبقة في سورية بشكل عام. يشهد المجتمع السوري تناقضات ومشاكل كثيرة نتيجة الوضع الموجود في العائلة وتأثيراته على الفرد، ويمكن القول بأن معظم هذه الأوضاع تعود إلى ما تعيشه المرأة من تهميش وأمية، والعلاقة غير المتكافئة بين الأم والأب. في الحقيقة هناك ضغط اجتماعي فظيع على الفرد، إذا لم يتم تحليله وتجاوزه بشكل صحيح سيؤدي إلى حدوث انفجار سيئ للغاية، حيث هناك تناقض كبير بين ما يراه الفرد في العالم الخارجي وبين ما يعيشه في مجتمعه.
فالتحفظ المبالغ به في العائلة والمجتمع والانفراج المبالغ به في المجتمعات الخارجية يؤدي إلى انحرافات كثيرة في الفكر والسلوك، حيث نرى وخاصة لدى الجيل الشاب رغبة في التقليد والهروب من الواقع لأنه لا يرى مطالبه في العائلة والمجتمع، والذي يؤدي إلى نشوء شخصية ازدواجية تعيش بين الواقع وبين ما تحلم به، بالطبع التحام هذا الوضع بالعلاقات المتخلفة بين الأم والأب، والتي تسودها العنف واللامساواة، والمعقودة على أسس غير حضارية نتيجة الزواج البعيد عن المقاييس الحرة والديمقراطية (كالزواج القسري، تبديل فتاة بفتاة، الزواج غير الاختياري، الحيار….) يؤدي إلى مشاجرات يحطم كل يوم حياة العائلة، بالتالي إما العيش طوال العمر باسم وحدة العائلة في ظل هذا الكابوس، وأما طلاق الأب والأم، وفرض حياة التشتت على الأطفال لأنه لا توجد أي ضمانات اجتماعية تحمي الفرد خارج العائلة. وحسب الدراسات الأخيرة فإن نسبة حوادث الطلاق قد تصاعدت كثيرا وهو إثبات لهذه الحقيقة الجارية. وفي حين يشهد العالم انفتاحا من نواحي حقوق الإنسان، فإن حرمان المرأة من حق التنظيم والكفاح الديمقراطي في سورية، وحصرها فقط في إطار الاتحاد النسائي التابع لحزب البعث وفقاً للمادة الثامنة للدستور والذي يعطي لحزب البعث الحق في قيادة المجتمع والدولة يعتبر انتهاكا كبيرا، لأنه يعمل فقط لتطبيق قرارات السلطة ومنحها شرعية أكثر، دون القيام وحتى الآن بأي مطالبة من أجل تغيير القوانين المجحفة بحق المرأة.
ولأن التنظيم هو الذي يخلق الوعي والقوة في الكفاح والتغيير فإن هذه الممارسات تشل إرادة المرأة والمجتمع، واشراك المرأة بنسبة 3 % في البرلمان يعني إن الرجال يحكمون المجتمع بنسبة 97 %، وهذا يعني إن معظم النساء مهمشات وخارج مراكز صنع القرار والإرادة السياسية. إن بقاء النساء بنسبة 45 % خارج المراكز التعليمية لأنهن نساء، يعبر عن التخلف والتراجع اليومي الذي يمكن أن يعيشه المجتمع السوري، كما إن ضعف الوعي الثقافي والحضاري يخلق الكثير من الآفات بما فيها أزمة زيادة الولادات التي أصبحت مشكلة جدية يعاني منها المجتمع السوري، كذلك الزواج المبكر، والأمر الأهم هو تشكيل جيل يعاني من نقص التربية العلمية السليمة.
أما بالنسبة للوضع الحقوقي للمرأة في سورية؛ بداية يمكن القول أن أغلبية النساء يجهلن حقوقهن، كما أن ظاهرة العنف الممارس بحق المرأة وعدم وجود الضمان الاجتماعي للنساء والعادات والتقاليد السائدة تحرم المرأة من المطالبة بحقوقها، هذا ونتيجة عدم توفر العلم والعمل، فإن المرأة تجبر على التخلي عن النضال الحقوقي ضد الرجل أياً كانت صفته الاجتماعية، كحق ولاية الزوج أو الأب أو الأخ على المرأة والتحكم بحياتها إذا أراد.
وإذا أضفنا إلى كل ذلك عدم امتلاك حق الوصاية على الأطفال من قبل المرأة، عقوبة الزنا وعدم المساواة في العقاب، عدم المساواة في الإرث، والكثير من الأحكام المجحفة الأخرى، سندرك بأن القانون السوري بحاجة إلى التحديث والعدالة وفق أحكام حقوق الإنسان. وعلى الرغم من كل الثغرات التي يعاني منها الدستور السوري إلا أنه لا يتم التعامل بالموجود أيضاً، وفي التطبيق يتم وضع الأمن والأساليب الاستخباراتية كأساس لحل القضايا في سورية. وبالنسبة للإعلام؛ فعلى الرغم من التقدم التقني والتطور الإعلامي، ما تزال سورية تعمل على كبح صيرورة الحراك الاجتماعي، وتتحكم السلطة التنفيذية في الإعلام المرئي والمسموع، إذ لا توجد حتى الآن برامج ترتقي بدور المرأة وتهدف إلى القضاء على النظرة الدونية لها هذا بالإضافة إلى عدم منح الرخصة لأي صحيفة تكتب عن المرأة خارج نطاق الاتحاد النسائي السوري، والذي يعني احتكار الصحافة، مما يؤكد الانغلاق الفكري وعدم القدرة على التكيف مع المتغيرات التي هي حقاً مشروع للمواطن والمواطنة السورية.
أما عن ظاهرة العنف الموجه ضد المرأة، فهناك عنف شامل ضد النساء في مجتمعنا، من قبيل قهر التقاليد الاجتماعية، القهر الاقتصادي والسياسي، العنف الفكري والجسدي، العنف الثقافي. وثقافة العنف السائدة تجعل المرأة موطن (العورة ) والضعف والعيب تحت اسم الشرف، مما يؤدي إلى القلق والإحباط والسوداوية. وحالات الانتحار الصامتة اليومية التي تعيشها النساء هي نتيجة عدم وجود بديل ومأمن لهن لتصبحن ضحايا ثقافة العنف المتصاعدة في مجتمعنا. من كل ما تم ذكره في الأعلى يمكننا القول بأننا بحاجة إلى عقد اجتماعي جديد ومن أجل تشكيله يعتبر النضال الديمقراطي من قبل حركات المجتمع المدني وعلى رأسها الحركات النسائية مفتاح التغيير والتطور في المجتمع السوري، وكما قلت سابقآ أبا ما أمرأة الكردية في سورية أؤمن بأن التحول والتحديث يكمن في خلق الوعي والتنظيم في صفوف المجتمع وخاصة النساء، وتحويلهن إلى قوة ديناميكية.
من قلم أمراة مناضلة






