
المرأة في الشرق الأوسط
لدى التمعن في الوضع المزري الذي آل إليه الشرق الأوسط وتلك الأهوال والمجازر وإراقة الدماء اليومية التي يتم معايشتها، أيضاً إلى جانب المصادمات وحوادث التفجير الفظيعة التي تحدث يومياً والتي هي من أجل سيادة حزب على آخر أو حركة على أخرى أو حكومة على حكومة أخرى، كل هذا ما هو إلا نتيجة للنظام الذكوري الذي هو سائد منذ 30 ألاف عام، لأن تلك الأنظمة لا مكان فيها للمرأة، المرأة التي من صفاتها الرئيسية، العدالة، المساواة، العيش بسلام ودون اقتتال واراقة الدماء، الابتعاد عن التسلط والفردية. طبعا عندما يقوم نظام بتأسيس ذاته وفقاً لذهنية فردية ومن جانب جنس واحد فقط حينها يتوقف الصراع الذهني في خلايا تلك النظام الذي يجب أن يجهد لتغيير جوهره بشكل دائم ومتطور، هذا النظام الذي يحكم فيه جنس الرجل فقط. حيث أنه مع مرور الزمن يرى منجزاته التي يحققها وفقاً لأهدافه وغاياته كان يزداد تسلطاً وحباً لذاته ويبتعد شيئاً فشيئاً عن الاتحاد بشعبه وتطبيق احتياجاتهم المتجددة. فالمجتمع والإنسان في حالة تجدد يومية، وهذا من خصوصياتهم الطبيعية، وبناء عليه يتطلب من ذلك النظام أن يقوم باستيعاب نفسية شعبه وفكره وذهنه وإمكانياته والصراعات التي يعيشها مع ذاته، ومن ثم عليه بتجديد البيئة والحياة والمؤسسات لتستطيع استثمار القدرات الجديدة للإنسان وتوجيه القدرات والمعنويات بشكل أكثر، فعندما يكون الاقتراب الذهني والفكري من الإنسان على هذا الأساس حينها يتم توليد طاقات وقدرات جديدة لديه، والتي تؤدي بدورها إلى عملية تطور دائم للمجتمع من كافة النواحي، والتي بدورها تخلق دائماً صراعات جديدة من أجل دفع عملية التطور الإجتماعي نحو الأمام بشكل أفضل.
ولكن ومع الأسف نرى اليوم أن هذه العجلة، عجلة التطور الذهني والفكري والتحرري الجنسي للشرق الأوسط تم وقوفها، وحتى أنه يوجد قوة دفع معاكسة تريد دفعها نحو الخلف، ونتيجة لذلك يتم رؤية الوضع المتخلف الذي يعيشه الشرق الأوسط. والذي كان بدوره منذ بداية العصور ولغاية قرون ليست بعيدة دائماً مهد للحضارات والثقافة الكونية. وأن المنطق الذي يريد فرض مقولة وحقيقة أن الشرق يعني التخلف والابتعاد عن الذهنية المتطورة نسبة إلى أوروبا، ماهو إلا منطقاً امبريالياً ذكورياً متسلطاً يريد أن يشكك من جوهر والحقائق الأصلية للشرق الأوسط، وأننا نحارب وبكل قوة تلك المفاهيم التي تريد فرض ذاتها على المنطقة. ولكن الحقيقة هنا التي لابد من رؤيتها ومعالجتها هي التخريبات النفسية والجنسية والمعنوية التي تم تسييرها على إنسان وشخصية الشرق الأوسط بكلا جنسيه المراة والرجل، وكيف أنه تم تغريبه عن ذاته وعن جوهره وعن ثقافته، وحتى أنه تم خلق شخصية مضادة لذاتها مبتعدة عن كل أنواع الإبداع والخلق الجديد. وهنا أريد أن أسهب في أمثلة واقعية تبين مدى حقيقة هذا الاغتراب. هذه البقعة وهذه الجغرافية التي كانت سابقاً وفي التاريخ البعيد تعيش تحت مظلة مرحلة الأمومة، حينها كيف كان الرجل يؤله المرأة من كافة جوانبها وأنه لشدة ارتباطه بها والإعجاب بقدراتها الحياتية والشخصية فانه جعلها رمزاً لإلهة الحياة والخصوبة والحرية والحب والجمال و…إلخ.
وحتى أنه كان يقبل سياستها وحكمها وادراتها وكان يقف إلى جانبها، وإلى جانب هذا لم تكن هي تهمش من شخصيته بل كانت تعمل على مشاركته في كافة أعمالها الإدارية والعسكرية، وكانت تستشيره في أغلب أمورها وتحاول أن تظهره في أحسن صورة أمام المجالس والشعب. أليست هي تلك البقعة والجغرافية التي كانت سابقاً صاحبة لتلك الثقافة؟ لكن اليوم آل إنسان الشرق الأوسط إلى تلك الهاوية وإلى ذلك الوضع. أيضاً أليست تلك الجغرافية التي كانت سابقاً مهداً للحضارة والثقافة وأول مكان لاكتشاف الزراعة والكتابة والحقوق والنقوش والفلسفة والدين والعلم؟ أما الآن نرى بأنه أصبح أكثر الأمكنة دوغمائية وقوالب جامدة وثقافة وتقاليد وعادات بالية لا تتوافق مع العصر الراهن والتي هي بدورها تؤدي يومياً إلى إنتحار العشرات من النساء. طبعاً أن الأمثلة كثيرة هنا ولا يمكن احصاؤها وعلى ما أعتقد أنه تم فهم بيت القصيد. الذي أريد أن أوضحه وأبينه ولكن لابد من الإدراك أن الواقع الذي يعيشه الشرق الأوسط هو ليس بقدر محتوم عليه، وأنه ليس فقط لفترة لعب دور طليعة التطور والحضارة والثقافات وأنه اليوم تنحى عن تلك المسؤولية… لا بالطبع… أن هذا ليس صحيحاً وأن الشيء الذي يجب رؤيته وتصحيحه بعض من العقائد والفلسفات والذهنيات الخاطئة التي تفرض ذاتها على المنطقة وتشوه الموزاييك الرائعة لهذه الجغرافية.
فان الضرورات التي تفرض ذاتها على الشرق الأوسط، هي أنه يوجد اليوم حرب دائرة ومصادمات عنيفة في المنطقة وهذه المصادمات تكاد أن توصل منطقتنا الى حافة الهاوية، فهنا لا أدعي بإيقاف الصراعات، بل على العكس أنني أريد أن أوضح هنا بأنه لابد من وجود الصراعات، ولكن الصراعات التي ستؤدي بالفعل الى احداث التطور والتغيير الذهني. هنا لابد من تبيان حقيقة هذه الصراعات المذكورة أعلاه والتي تفرض ذاتها بالدرجة الأولى على المنطقة، والذي تتصدر إسم المعارضة والمقاومة والنضال ضد كافة الأنظمة الإستعمارية الخارجية، هي الحركات الاسلامية، والأنظمة التي هي ذو مفاهيم قومية. طبعاً أنني هنا لا أنكر الدين بل على العكس أننا نعترف به وبشكل علمي ونحترمه إلى آخر الحدود ولا ننكر الدور التاريخي الذي قام به في مهد التاريخ من أجل تحرير الإنسانية من الجاهلية والعبودية والتخلف وفي التطور الحضاري والمعنوي للإنسان. ولكننا الآن بصدد مرحلة تفرض العلمانية علينا، حيث أن ظاهرة تسييس الدين خاطئ وهي تحريف للدين عن جوهره وأهدافه، والمحاربة والمقاومة باسم الدين والإسلام فهو أيضاً شيء خاطئ. إن الدين في الوقت الحالي يجب أن يكون ضمن إطار الاعتقاد والاعتناق الفردي والشخصي للإنسان يوجه عبره روحه وإيمانه ومعنوياته ونفسه. حيث أن مرحلة التناقضات الفكرية التي نحن بصددها تتطلب أنظمة ذهنية حديثة حضارية إيكولوجية تعيد توجيه الإنسان الفكري وتزيد من حرية وآفاق فكره وتكرس من ارتباطه بالطبيعة التي تم تغريبه عنها.
وطبعاً أن السلاح القوي والحجة الأكبر التي تستخدمها أميركا ضد المنطقة هي محاربة الإرهاب في الشرق الأوسط، حيث تدعي أن الحركات الإسلامية هي عبارة عن حركات إرهابية وترى ذاتها المسؤول الأول في العالم من أجل تصفية هذه الحركات وإنهاء الإرهاب في العالم. وبناء على ذلك تصعد المقاومة والحركات الدينية والإسلامية بعنفوانها ومقاومتها ضد أميركا والتدخل الأجنبي في المنطقة. نعم يمكننا القول أنه تم تحريف مسار وتداعيات وضرورات أية صراعات وتناقضات يجب خوضها في المنطقة. يمكننا القول أنه تم تحريف مسارعملية النضال في الشرق الأوسط. وأن المسارالصحيح لعملية التغيير والتطوير في الشرق الأوسط، هي عملية دمقرطة الأنظمة الموجودة فيه، فإنن معظم أنظمة الشرق الأوسط تتخبط اليوم في عملية التغيير الديمقراطي والإصلاح كما تدعي، ولكنها لاتستطيع، والسبب في ذلك هو أنها كمن يريد أن يجعل الديمقراطية كثوب تريد إرداءه لإنسانها وهو ذو ذهنية فردية، قومية، متخلفة ودوغمائية. طبعاً هنا شئنا أم أبينا فأن هذا الثوب لا يصلح لذاك الإنسان، لذا يجب إعادة عملية تطوير ذهنيته، وهنا لابد من تهيئة الأرضية. الأرضية التي تعني فتح المجال لظهور أفكار وذهنيات جديدة في الطبقات الإجتماعية وفتح المجال لها من أجل أن تعبر وتنظم ذاتها في مؤسسات مدنية، اجتماعية، حقوقية، ومن ثم تقوم هي بذاتها بتحديد مسار حياتها وأهدافها ومصيرها.
وطبعاً إلى جانب ذلك تصون أي فكر أو عرق أو جنسية أو دين وتكن له الإحترام وتؤسس المؤسسات والتنظيمات التي تحمي كيانه وتمثله في الأوساط الرسمية. إذا تم خلق تناقضات وصراعات على هذا الأساس، حينها يمكننا القول أن الشرق الأوسط بدا يستيقظ من ثباته العميق وبدا يعي ذاته ويثبت احتياجاته الأساسية وفق المصالح الاجتماعية العامة، وأنه دخل في المسار الصحيح للنضال، وحينها سوف يتم إغلاق الطريق لأية مداخلات خارجية ولا يبقى هنا أية مشاريع لأميركا، مثل مشروع خلق الشرق الأوسط الجديد. وحينها يمكن وقف المجازر والأهوال اليومية التي تحدث في العراق وفي كافة المنطقة، ولا يتم مداخلة ثالثة بعد المداخلة الثانية التي قامت بها أميركا إلى لبنان بواسطة صراع اسرائيل مع حزب الله هناك. لأن أميركا تعد حاميتها واستعدادها لأجل مداخلات جديدة للمنطقة وخاصة من أجل سورية وإيران. وطبعاً هنا يجب تبيان وإظهار أن هذه التغيرات والصراعات هي على عاتق من تقع في مجتمعنا؟ وهي من مسؤولية من؟ أن الجواب هنا يرتبط بالأهداف المقصودة، فنحن نرغب في مجتمع تحرري جنسوي ديمقراطي تسوده الحرية والعدالة والمساواة، ومن البديهي أن تقع هذه المهمة على عاتق المرأة. أي أن تقوم المرأة هي بذاتها في قيادة عملية التحرر والنضال والتغيير هذا. ولكن يوجد شيء مهم عدم نسيانه أبداً، هو أنه من أكثر الفئات والجنس تضرراً من هذه الأنظمة طيلة تلك الفترة التاريخية الماضية كانت هي المرأة.
حيث أنه تم انحسارها وابعادها عن المجتمع والسياسة بشكل كبير وتم كسر إرادتها وتشويه شخصيتها إلى درجات كبيرة، ويومياً الذين يتم اراقة دماءهم هم اولادها واخوتها وأزواجهم، والذي يزداد عنف وشدة تلك الأنظمة وتلك المفاهيم عليه بالدرجة الأولى هي المرأة، والذي جعلها فقط وسيلة من أجل تلبية احتياجاته وأهدافه، هي المرأة أيضاً وأن الذي يومياً يتم انتحارهن وقتلهن بالعشرات هي المرأة. لذلك أقول أن المرأة هي التي يجب أن تأخذ على عاتقها مهمة عملية الوعي والتطوير والنضال للمجتمع وأن تخلق مجتمعاً يتحلى بخصوصياتها شبيهاً بمرحلة الأمومة التي كانت عليه قبل 30 الف عام، مجتمعاً يسوده الجماعية والتعايش السلمي والإقتسام والحرية، أي أن تعيد تلك الجغرافية إلى حقيقتها وتزيل الوجه والقناع الذي تم إلباسه إياها. أن المرأة في الشرق الأوسط لهي جديرة بهذه المسؤولية، فهي ذو شخصية تؤهلها لذلك، فعلى الرغم من كل عمليات القمع والكبت وعدم المساواة المتجذرة في القوانين والتقاليد الاجتماعية الجائرة، لكنها ما زالت تحافظ على كينونتها كنبع خصب للحب والجمال.
فاذا نظرنا إلى كافة الدول العربية والشرق الأوسطية، ورغم دوغمائية الأنظمة والذهنية الذكورية المتسلطة يمكن رؤية وجود نماذج كبيرة من شخصيات وجمعيات ومنظمات نسائية، ترفض الواقع وتهدف تحرير جنسها وأنها يومياً تواجه العديد من العوائق والعقبات من قبل الأنظمة والرجل، إلا أنها لا زالت تبصر في مسيرتها التحررية. ولكن هنا العقدة التي يجب الوقوف عليها،أن هذا بمفرده غير كافي، حيث أن مؤسساتها ومنظماتها لازالت قاصرة ولا تتمتع بايديولوجية ونظرية صحيحة وعميقة لها، وأيضاً عملية تنظيمها لجنسها ولمجتمعها هي ناقصة، ولا تخرج من السياسات العامة المرسومة لها، مثلاً في لبنان يوجد مجلساً نسائياً مؤلف من 165 جمعية ومؤسسة نسائية وهذا ليس بالعدد القليل، ولكن هذا المجلس في نهاية المطاف يخضع للدساتير الموضوعة في البلاد. وأيضاً في مصر يوجد تحركات نسائية واسعة ولكنها لم توصل ذاتها إلى كافة الفئات والشرائح النسائية والشعبية ولم تدخل في المسار الإيدلوجي الصحيح.
وفي الأردن أيضاً توجد محاولات كثيرة من قبل المؤسسات النسائية هناك وخاصة من أجل الانفتاح الاجتماعي والوعي والعصرنة، ولكنها مازالت محصورة بالطبقات النسائية العليا فقط، فانها لا تؤسس ذاتها في واقع وضمن المجتمع من الأسفل. وفي سوريا لازالت على مستوى شخصيات فردية فقط مرتبطة بمؤسسات المجتمع المدني ولم توصل ذاتها بعد إلى كيان نسائي مستقل. أي أن الأمثلة كثيرة… فقط يمكننا اليوم رؤية حركة نسائية تحررية ديمقراطية ايكولوجية في كردستان بأربعة أجزاءها والتي تستمد فكرها وايديولوجيتها من فكر القائد والمفكر عبد الله اوجلان، بحيث أنها تتصدر وتتحمل مسؤولية النضال الوطني والديمقراطي في كردستان وفي المنطقة. ولكن هنا يجب تجاوب كافة الحركات النسائية معها في الشرق الأوسط لأن عملية التحرر الجنسوي هنا لا تخص اثنية واحدة أو قوم واحد بل تخص جنس بأكمله مهما كان مختلف الأنواع والأجناس والعرقيات، حيث أن القائد عبد الله أوجلان بيّن في أطروحته ومرافعته الدفاع عن شعب المقدمة إلى محكمة حقوق الانسان الأوروبية، بأن عملية إعادة البناء والتحرر والانفتاح والدمقرطة للشرق الأوسط تكمن في خلق المجتمع الكونفدرالي الديمقراطي.
وأن هذا في جوهره يعتمد بالدرجة الرئيسية على قوة المرأة ومنظماتها. لأن هذا الشكل من التنظيم الكونفدرالي الديمقراطي، يتكون في أساسه على الديمقراطية وتعددية المؤسسات والأحزاب وتشكيل المجالس الشعبية والأفكار الحرة، وأن هذا لايمكن تحقيقه إلا في مجتمع تسوده الحرية والتحرر الجنسي. لذلك أعود وأكرر أقول أن لم يتم خلق حركة تحررية نسائية عامة على مستوى الشرق الأوسط تشارك فيها كافة المنظمات النسائية في تركيا وسوريا وإيران والعراق ومصر والأردن…إلخ. لا يمكن حينها هدم هذه القلاع الذكورية المترسخة منذ عهد كهنة الدولة السومرية. وغير ذلك فأن هذا الواقع المزري الحالي الذي تتفاقم المواجهات والأزمات فيه يومياً، سوف يتكرس أكثر وأكثر ويحقق المأساة للمرأة وللمجتمع وسيبعد الشرق الأوسط عن هويته الأصلية أكثر فأكثر.
Ji Pênusa Jinên Têkoşer






