مقالات

الانسان في المجتمع السومري

يبدأ  النظام  السومري او ما نسميه الحضارة السومرية  قبل حوالي ( 3500 ) عام ق م ، لتنتقل الى المجتمع الطبقي مع ثقافة الزيكورات الذي يعبر عن  الطبقية بشكل جلي  بعد ان  تنتقل الثورة النيوليتية الى هناك من ميزوبوتاميا العليا ، ان  الارض الخصبة لتطور الزراعة في جنوب بلاد الرافدين  والتي تعطي وفرة كبيرة في الانتاج بينما يطور الرهبان نظام الزيكورات  للسيطرة على الانتاج الزائد والتحكم بالسلطة كاداة للقوة ، فداخل الزيكورات يقيم  الراهب ـ والراهبة ـ والتجار ـ والعبيد , والعبد هو الذي يخدم المجتمع فهو يخدم بيت الله  , وتبنى الزيكورات بشكل هندسي معماري ذكي يتوافق مع الزكاء التحليلي للكهنة  ويلائم  ذهنية الرهبان والميثيولوجيا التي خلقوها بطريقة مذهلة ، فيصنعون   بابين في الزيكورات احدهم  في الأعلى يستخدمه الراهب للتحدث الى الرب والاله ، وباب اخر في الاسفل  لينقل الراهب حديث الرب الى المجتمع الانسان العبد خادم الرب في كل وقت , هذا النظام تسبب في  أحداث تشويه كبير  في ذهنية  الإنسان.

وأصبحوا يستخدمون كلمات سميت هذه الكلمات بالكلمات المقدسة. لكن الانتقال والتحول الى هذا الشكل من النظام لم يتم بسهولة وب يسر، فالانسان العبد الذي تتناقض مفاهيمه وذهنيته مع هذه القيم وهذه المعتقدات تجعلهم يقاومونها ويهربون منها الى خارج سيطرة حكم الزيكورات ويرفضون النظام السومري في مدينة اور المدينة الاولى. ان هروبهم ينبع من عدم ثقتهم بهذا الرب وتلك الالهة والرهبان والا فلا يمكن للانسان ان يهرب من الهته فيما قبل إذ كانت تمثل القوة والثقة والامان له ولكلانه. وكان الذين يتم الامساك بهم من قبل الجند يتم ضربهم وتعذيبهم وارغامهم على العمل والخدمة بالقوة والاجبار فمن دونهم (العبيد) لن يكون هناك معنى للزيكوات ولا معنى لوجودها، بهؤلاء العبيد يتم بناء دولة المدينة اور. ان الزيكورات هي بمثابة مدينة وتعبر في جوهرها عن نظام الدولة.

وتظهر اهمية تغيير الذهنية لمنع هروب العبيد  ومن اجل السيطرة عليهم ، فان لم تتغير  ذهنية الإنسان لا يمكن أن يقبل الشيء المفروض عليه ، وكيف له ان يقبل ان يتحول الى عبد وهو يعرف ويدرك تماما ان المساواة والتعاون والحرية هي اساس العلاقة المجتمعية  وان علاقتهم بالالهة لا تحمل مفهوم  الاستعباد و مازال يتذكر مجتمعه الطبيعي وعلاقته الافقية  الحرة فيه ، فكان من الضروري  العمل لسد الطريق امامه وامام هكذا تفكير ، لذلك يقوم الرهبان  بتطوير الفلسفة القدرية ويدعمونها بالقوة والاجبار ( وهي اصل كل القوى الامنية والاستخباراتية والشرطة …في عصرنا الراهن )، فقد كانوا ان امسكوا  بعبد هارب  يقومون  بسجنه ولأنه غير مقتنع يهرب فيعيدون  سجنه مرة اخرى الى ان تضعف قوته وتنعدم لديه امكانية الهرب فيستسلم وكأنه قدر مكتوب عليه اما ان يصبح عبدا او ان يبقى طوال حياته حبيس السجن.  فالرهبان يتصرفون وفق لارادة الرب الذي اوجدوه وبهذا الشكل يتم اقناعه ويتم تشويه ذهنية الانسان ليتحول الى عبد.

ان ذهنية القدرية وفلفستها هي التي جعلت من الانسان عبدا لغيره، فقصة تكون الخليقة عند السومريين تشكل الاساس الذهني للقدرية واللامساواة وانحطاط الانسان وتحوله الى عبد للرب ولممثليه على الارض، إن الرب هو الذي خلق الجنة لمن يطيع الرب واوامره وجهنم لمن يعصيه ويرفض النظام العبودي. بهذا الشكل يحاصرون فكر وذهنية الإنسان على الارض بالعنف والقوة ، وفي الآخرة بين الجنة والنار , واصبح العنف والقمع مقدسا فالعصا لمن عصى و”العصا من الجنة” هذه الاستخدامات التي تقدس العنف تعود في اصولها الى  الميثيولوجيا السومرية ، بهذا الشكل يتم تشويه ذهن وفكر الانسان والى يومنا هذا نقول  إننا عبيد الله أي إننا نقبل العبودية , بهذا الشكل  يكون قد تحول المجتمع الطبيعي الذي يمثل  العدالة والمساواة والإرادة الحرة ، إلى هذا النظام الذي شوه كل شيئ وسمم كل شيء في فكر الانسان وذهنيته.

وبهذا الشكل تظهر ذهنية قبول الرضوخ للاقوى وتظهر نفسية وشخصية الانسان الضعيف المقيد وتظهر فلسفة  بإن الله خلقني بهذا الشكل وهذا قدري  فهو خلق كل شيء  وهو العالم  بكل شئ يعلم الخير من الشر وما في الغيب  فالحقيقة والمعرفة كلها ملكه فقط  , و يطور الرهبان والحكام فكرة تجسد الالهة في البشر الذكور  ومن ثم يصبحون ممثلون الاله على الارض وحكامهم على البشر  ليصبحوا الآمرين الناهين في المجتمع ، يصبح الدين والميثيولوجيا السومرية هي الاساس في الحكم والتحكم  ويقوم الرهبان والحكام بقلب كل الحقائق وكل المفاهيم بما يتوافق مع فكرة التحكم والسيطرة ، فتكثر الالهة كما تكثر الاحزاب السياسية ومؤسسات الدولة في يومنا الراهن  لتصبح مقدرات الانسان مرتبطة بها. من الضروروي لشعوب الشرق الاوسط ان يفهموا ويعرفوا التاريخ السومري بشكل صحيح فشعوبنا هي اكثر الشعوب التي تعيش الدوغمائية بعمق ونحن اكثر من يستخدم الالفاظ المقدسة  (الرب السيد والشيخ والراهب ،الجنة والنار والقدر …..)الخ  ، فالتخريب  الاكبر والاول ظهر مع سومر ، ومع ترسيخ الملكية الخاصة  مع الحضارة السومرية تظهر أولى اشكال الدولة وتتحول السلطة الى ايدي  الملوك والرهبان وندخل مرحلة النظام  العبودي ومن ثم  ألاقطاعي وهكذا يتطور نظام دولة الرهبان السومريون  ويتحول  وياخذ اشكال متعددة ومتغيرة بينما جوهره هو السلطة وزيادة الثروة والتحكم بهما، وتلعب الميثيولوجية السومرية  دورا كبيرا  في ترسيخ  نظام الدولة السومرية  اذ من دونها لا يمكنها التطور والاستمرار امام ذهنية المجتمع الطبيعي ونظامه القائم على الإنضمام الحر.

فمثيولوجية الدين السومري هي التي ترسخ في مخيلة وذهن الانسان وجوب وجود طبقة العبيد وطبقة المللاك وبهذا الشكل يتم فرض هذا النظام كحقيقة أزلية، فالعبيد نتيجة خوفهم من الجنة والنار من جهة ونتيجة العنف والقمع الذي يلاقونه من جهة.. يقبلون بالنظام الذي يتواجد فيه العبد والفقير من جهة والسيد الحاكم والغني من جهة اخرى. إن الميثيولوجيا السومرية ابداع لذكاء تحليلي كبير، اذ انها عجنت ذهنية الإنسان عجنا وطوعتها لفلسفتها وايديولوجية نظامها الدولتي بشكل مذهل وعميق اذ لازال تأثيرها قائم الى يومنا هذا، فهم الذين اوجدوا مفهوم الجنة والنار وخلقوا آدم من طين وحواء التي اتت من ضلع ادم الاعوج، واوجدوا لكل مدينة اله خلق من النور ، فهناك  ( 50 ) آله عند السومريين وبين هذه الآلة يوجد (4 ) آلهة هم الأكبر، ويصل عدد الالهة  عند  البابليين اكثر من 60 الف اله،. إن الميثيولوجيا السومرية وقصصها انتقلت إلى جميع أنحاء العالم..  إن أساس الأديان السماوية كاليهودية والمسيحية والإسلامية ترجع في اصولها الى الميثولوجيا السومرية.

فقصة خلق الكون ونشوئه في  الميثولوجيا السومرية  تجعل خلق الانسان العبد(عدى  الالهة والرهبان  )  من الطين المتوافر بكثر في ارض سومر ، ومن ثم تم تزايد ذرية آدم وحواء وخلقوا قصة  تقاتل  قابيل وهابيل على الملكية الخاصة الزراعية  وحولها البابليون الى قتال على المرأة الأجمل ، بينما كانا أكثر اتحادا وتعاونا ومحبة  فلا بد لهما أن يقوما معا بزراعة القمح فلم يكن ممكنا انتاج القمح بشكل فردي، وكانا مجبران على التعاون كي ينتجوه  وهم بحاجة لبعضهما الاخر ، ولكن الميثيولوجيا السومرية  بسردها القصة على هذا النحو تحاول شرعنة الاستيطان والاستعمار والقتل من اجل الثروة والسلطة. ان قصة خلق الكون  تنتقل الى الشعوب الاخرى عن المثيولوجيا السومرية  و يتم تفسير الميثيولوجيا لدى  كل شعب وقوم حسب ذهنيتة  المستمدة من حقيقة وواقع النظام  السائد في مجتمعه في تلك الفترة ،  وبهذا الشكل يتم تفسير بداية تشكل كل شيء حتى اختلاف الوان البشر ، اذا تقول المثيولوجيا الافريقية ، ان الله بعدما صنع الانسان من الطين ادخله في فرن ، ولما سهى عنه  كان قد اسود فتكونت منه سلالة الزنوج  ،والوجبه الاخرى اخرجها قبل ان تنضج فكانت الشعوب البيضاء ،اما الشعوب المائلة الى السمار فكان الله أن  جلس الى جانب الفرن كي تنضج بشكل مناسب.

كانت المثيولوجيا السومرية تتطور على حساب وفي مواجهة ذهنية الهة الام الانثى ، فملحمة كلكامش اقوى رجال مدينة اور وانكيدو القادم من الشمال الذي يملك قوة خارقة ، وصراع كلكامش مع عشتار الذي  يمثل قصة  السقوط  الاول للمرأة وانحطاطها ، فعندما يصل انكيدوا الى سومر مرسل من الاله لتخليص الشعب والدفاع عن ثقافة المجتمع النيوليتي والهة الام  ، يقوم كلكامش بتهذيب هذا الوحش القوي ويتم اغوائه من قبل احدى عاهرات كلكامش وا خضاعه لمفاهيم مدينة  اور ، وبدلا من ان يقاتل انكيدوا  كلكامش يصبح في النهاية تابع له وكالخاتم في اصبعه ، والقصة تروي كيف ان عشتار تلعن كلكامش بينما ينخدع انكيدوا ويدافع عن كلكامش بقتل الثور المرسل من قبل الالهة للدفاع عن عشتار ويرميه في وجهها ، ان لعنة عشتار تكون موجه ضد كلكامش في الملحمة ، اذ انها  تعي البلاء الذي تحدثه ذهنية اور المتمثلة في شخصية كلكامش ،  يسمي القائد هذا الموقف من عشتار بالخيانة الأولى .

تعتبر مدينة اور اول الحضارات المدنية واعظمها في تلك المرحلة من خلال ثقافة الزيكورات السومرية حيث إعتبرت المدينة مركز التطور الذهني ومركز الحضارة الاول، بينما يتم تجاهل نواة تطور الحضارةالتي بدأت بشكلها السليم في احضان جبال ميزوبوتاميا وأن التطورات الانسانية الكبيرة بشكلها الصحيح حدثت في احضان الطبيعة بعيدا عن المدينة. لقد بنى السومريين المدن وطوروها معتمدون على الثورة النيوليتية التي ظهرت كأول حضارة في الشمال او ميزوبوتاميا العليا، حيث أتوا بكل شيء من الجبال إلى المدينة فحتى الزيكورات تم بناؤها بالحجارة التي اتوا بها من الشمال. يموت أنكيدو لأن المدينة اضعف قوته ، وعندما يموت أنكيدو يحزن كلكامش عليه  ويتسرب الخوف من الموت الى قلبه  ,  وتحدثنا  رحلة كلكامش  في بحثه عن سر الحياة  الابدية ، وكيف انه انتقل من مكان لاخر وزار الوديان والجبال ، الى ان عثر على زهرة الحياة الابدية  ، عندها يقرر ان يحملها الى شعبه كي ينعم بالحياة الابدية ،و لكن الافعى التي تبتلع الزهرة بينما كان يغتسل ، لتقوم  هي بتجديد حياتها من خلال تغيير جلدها كل عام مرة ، هذا المفهوم عن الافعى  يستمد حقيقته من هذه القصة.

وبعد ذلك يعود كلكامش إلى مدينته ويجهز لنفسه قبرا ويكتب كامل قصته عليه. ان كلكامش نفسة يمتلك المعرفة وفهم حقيقة الموت والحياة من خلال رحلته والبحث عن الحقيقة في احضان الطبيعة وبعيدا عن المدينة. اما قصة بناء بابل وصراع ماردوخ اله بابل مع الالهة ( تيامات)  فهي تعبر عن انتقال السلطة من يد الالهة المرأة الى يد ماردوخ الاله الذكر  ، تمثل هذه القصة مرحلة انتهاء المراة الالهة وتحطمها وسحق ارادتها تماما، ليبدأ بهذا العصر سيطرة النظام الذكوري الربوبي الذي يتحكم بكل نواحي الحياة وذلك في عهود السلالات البابلية السامية ان اسطورة تكون الكون من خلال قصة  قتل ماردوخ لتيامات تمثل بناء حضارة بابل على اشلاء جسد تيامات المرأة الالهة  .  لقد مضى أكثر من ( 300 ) عاما على تدمير وتحطيم  الالهة تيامات وقيمها لتتحول المرأة من الهة مقدسة الى لعنه تلصق بها كل مفاهيم السوء التي كانت تناضل ضدها ،  ان ذهنية ( وأد البنات ) قبل مجيء النبي محمد بين العرب  ،التي كانت تفسر كعادة تعود في اصولها الى العصر السامي البابلي وسحقه للالهة تيمات، والى الآن تجري العادة بين  القبائل العربية أذ يقومون بالاحتفال والإبتهاج  عندما يكون المولود صبيا , ويدب الحزن فيهم عندما يكون المولود بنتا ،.

لقد قامت الكثير من القبائل و العشائر و المجتمعات الكلانية  منذ بداية  العهود السومرية بالنضال ضد ما يسمى  بنظام الحضارة السومرية  والبابلية الذي تطور وتحول على اساس الملكية الخاصة وطمعا في امتلاك ثروة اكبر  الى شكل من اشكال الاستعمار والاستيطان، بينما كان  نظام الكلان البسيط غير قادر على كبح جماح الشر الاستيطاني والجيوش الهائلة من العبيد التي تقاتل من اجل اله المدنية وارضاء للرب  وطمعا في الجنة ، فانسحبت تلك الاقوام المقاومة لهذا النظام  الى الجبال  والاماكن النائية فيما تم قمع واستعباد الاخرين   ليتحولوا هم ايضا كما انكيدوا الى ممثلين لهذا النظام وحضارته  ، فقد سممتهم  وسيطرت عليهم فلسفة المدينة والنظام السومري  ليتحولوا الى وحوش تقاتل بعضها البعض من اجل السيطرة والاستحواذ على المزيد بالحروب  بدل من انتاجه  ،  ورغم فشل معظم المقاومات امام بطش وقمع الالة العملاقة للدولة  ، الا ان صراع الكاشيين وظهور الانبياء ونضالهم ضد كل انواع الظلم والاضطهاد  وأنتفاضة سبارتاكوس  وصولا الى انتفاضة حزب العمال الكردستاني هي بمثابة استمرار لفلسفة  دفاع الانسان عن قيم المجتمع الطبيعي في الحرية و المساواة.

 

 

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى