أخبارالمزيدمقالات

ثقافة التشهير وتراكم الحقد

بقلم: حسين شاويش

 

أكثرية المجتمعات في الشرق الأوسط لم تستطيع أن تصل إلى مستوى القيام بتحولات أو تغييرات ذو طابع ديمقراطي- تحرري جنسوي، لذا فهي مجتمعات مكبوتة جنسياً ومعنوياً ونفساً، لم تستطيع هذه المجتمعات المحافظة على تراثها التاريخي الشعبي الأصيل الممتد إلى الثورة الزراعية – القروية أي مرحلة الأمومة أمام المد الحضارة الدولتي الحداثة وخصوصاً في المراحل الأخيرة، لذا فهي تتخبط فيما بين الرجعية الدينية التقليدية الشرقية والتفسخ الحضاري للحداثة الغربي.

السمة الأساسية لهذه المجتمعات تتمثل في انعدام عاطفة الحب و التضامن وعدم التحمل والحقد الدفين اتجاه البعض، لقد أشار الأديب و الفيلسوف الكردي (أحمد خاني إلى هذه الظاهرة المميزة والمتفشية في المجتمع الكردي قبل الآن بحوالي400سنة, و قد أشار بوضوح في ملحمة ممو زين إلى انعدام الحب والعشق في المجتمع الكردي لا من الناحية الحقيقة و لا من الناحية المجازية، لذا نرىَ بأن أكثرية ملاحم العشق كانت مأساوية وسوداوية ولم تستطيع هذه العاطفة الإنسانية أن تجري في مجراها بشكل طبيعي و بالارتباط مع المجتمع والمجتمعية، بل كانت نهاية كل عاشق هو الموت والتصفية، لقد انتصر ثقافة ” بكو” اللعينة المتآمرة في نهاية المطاف.

لذا يمكن القول و بكل سهولة، بأن الأفراد الذين لا يحبون بعضهم البعض ولا يحترمون بعضهم البعض ضمن البوتقة الاجتماعية وإطارها، يتآمرون على بعضهم ولأسباب تافهة وصغيرة، حيث يشهرون بعضهم بدون أي مبرر جدي، و بدون و جود تناقض و صراع يخدم التطور، بل يحاولون قتل الجوانب الايجابية في نفسهم و إبراز الجوانب السلبية إلى المقدم، كل هذا يؤدي إلى تراكم حقد دفين لا يمكن تصوره في قلوب سوداء و عمياء، في هذه الحالة تصل الأنانية و الحسد و الفردية إلى أقصىَ درجاتها كل ذلك على حساب القيم المجتمعية للمرحلة المشاعية النيوليتية، فيغيب التضامن و الجيرة و التعاون و العلاقات الطبيعية العفوية النقية و بدلاً من ذلك، يتطور الصراعات الهامشية و العلاقات التآمرية و الخداع و التشهير والتخريب الاجتماعي الأخلاقي وحب التسلط والفئوية والعشائرية و المذهبية والقروية والزعرنة على حساب المجتمعية و أخلاقياتها المقدسة.

 

إن هدف الحداثة الرأسمالية في نشر ثقافتها هو الوصول إلى مثل هذه النتيجة، قلما نرىَ الانتقاد و تحمل الرأي الآخر في هذه المجتمعات ، فهم يمارسون التشهير و فضح بعضهم للبعض و تشويه سمعة بعضهم لشل فاعلية و تأثير المميزات الإيجابية و تصفية شخصياتهم بكل معنى الكلمة، كل هذا يتم ممارسته عبر مجموعات متشرذمة و سلبية تفتقد لأية شرعية اجتماعية و ذهنية و أخلاقية تذكر، نعم ـ يمكن القول و بكل سهولة ؛ الحب والاحترام، التعاون والثقة، التضامن والتكاتف، الصدق والصميمية والأمانة كمعايير للمجتمعية و ميراث تاريخي وديني لهذه المجتمعات، قد ماتت على مذبحة الحداثة و الحضارة الدولتية الجنسوية الذكورية و ماتت معها الخيال و الهيجان و الفن الرفيع وروح الإبداع، و لا يمكن دمقرطة هذه المجتمعات بدون استعادة هذه القيم، أو لا يمكن استعادة هذه القيم بدون دمقرطة هذه المجتمعات، لقد أعطينا مثالاً حول المجتمع الكردي في هذا المجال، ولكن المجتمعات العربية والتركية والفارسية في نفس هذا المستوى من هذه الناحية حتى أكثر من المجتمع الكردي ولأن الكرد يمارسون نضالاً ديمقراطياً ممثلاً في حركة الحرية و استطاعوا الوصول إلى بعض القيم المجتمعية المقدسة من خلالها، وإذا أرادت هذه المجتمعات أن تتجاوز هذا الواقع المريد عليهم إن يأخذوا الكرد مثالاً لهم في هذه المرحلة.

 

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى