أخبارالمزيدمقالات

المدينة الكردية القديمة: كركوك

جرحى الحرب

 

في هذه الأيام الأخيرة عندما أقرء وأستمع إلى تصريحات ساسة الدولة التركية وأنبائها الإعلامية، أشعر برنين صرخات العنصرية وأشم رائحة الشوفينية من تصريحاتهم حول مسألة كركوك. وفي كثير من الأحيان أتذكر طفولتي عندما كان كبارنا وأجدادنا يهمسون لنا حكاية غريبة كنا نستمع إليهم في كل مكان، وكانوا يرددون هذه الحكايات بشكلٍ مستمر بهدف حفظها وحفرها في ذاكرة الأطفال، وقد كانوا يتلونها في الشوارع وفي البيوت والمدرسة و في كافة المؤسسات الاجتماعية، بحيث أن هؤلاء الناس الذين كنا ندعي بأنهم كبارنا كانوا يرددون هذه الحكايات مئات المرات على مسامعنا دون الشعور بأية درجة من الملل والكلل، إلى أن أصبحت هذه الحكاية بمثابة كورس غنائي نكررها بشكل جماعي طوال الوقت، وقد كان مضمونها على الشكل التالي:( أجل يا بُنيتي!هل تعرفين بأنه لا يوجد أي شيء يشهد على وجود الأكراد؟ في الحقيقة اليوم حين نجد الكثير من الذين يصرحون بوجود الأكراد هم الذين يرغبون في تجزئة وطننا ويطمعون في خيرات ترابنا، ففي قديم الزمان كانوا يقولون بأن البعض من أجدادنا حين تسلقوا الجبال تعرضوا لعاصفة ثلجية قوية وفي ذاك الوقت قاموا بتقليد صوت الذئاب، ومنذ ذاك الوقت وحتى الأن يدعون عليهم بأتراك الجبال أو ذئاب الجبال أي بمعنى ( kürt ) وهكذا يا صغيرتي فلا يوجد أي قوم في هذه الدولة يدعى بالقوم الكردي وكل هذه الأقاويل تخرج من تحت رأس الفتانين والفاسدين الذين يطمعون في خيرات وطننا.) وبهذا الشكل كان يروي على مسامعي هذه الحكايات عشرات المرات إلى أن أصابني الضجر والملل من الاستماع لمجريات هذه الحكاية.

الأن وبعد سنوات طويلة نتعرف على حقيقة أجدادنا الأحباء الذين كانوا واثقين ومقنعين بأن هذه الحكايات هي عبارة عن أكذوبة و خرافة لا وجود لها، ولكن رغماً عن ذلك كانوا ينكرون هذه الحقيقة ويتلونها وكأنهم واثقين من صحة وجود هذه الحقيقة المزيفة واليوم عندما نتمعن في وضعهم وبعد كل هذه التضحيات والمعانات العميقة نجد بأنهم في نهاية الأمر اعترفوا بوجود هذا الشعب الذي يعتبر من أقدم شعوب مزوبوتاميا واقتنعوا بأن الإدعاء الذي يقول أن الأكراد هم (أتراك الجبل ) هو شيء مضحك جداً وحتى الصغار أصبحوا يسخرون من هذه الإدعاءات الكاذبة، ولكن الإعتراف بهذه الحقيقة لم يكن سهلاً لهذه الدرجة طبعاً، وحتى الأكراد بأنفسهم لم يجرؤوا على قبول هذه الحقيقة في بداية الأمر، لأن آلامهم وجروحهم ما تزال حية في أعماقهم حتى الآن، والشيء الذي يشهد على وجود هذه الحقيقة هي دماء أبناء شعبنا التي لم تجف على تراب وطننا.

واليوم نرى بأن روائي هذه الحكايات يكررون وظائفهم القديمة مرة ثانية، وكأنهم تذكر وهذه الحكايات الغابرة وأرادوا تجديدها ويلبسوها قناعاً معاصراً و جديد، ( بحيث أنهم يصرحون هذه المرة بأن مدينة ( كركوك ) هي في الأصل مدينة تركمانية والشعب التركماني هم الشعب الأصلي لهذه المدينة القديمة، وحذار من الذين يطمعون في هذه البلدة التركمانية، على الجميع أن يقدروا وجود هذا الشعب لأن أجدادنا عاشوا في هذه المدينة منذ مئات السنين، وكركوك تتميز بثقافة وآثار الشعب التركماني لهذا فعلى الجميع أن يتقرب بحذر وحساسية من هذه المسألة التاريخية. وحذار أن تُذكر هذه المدينة بأسم مدينة الأكراد، و إذا ذكرت بهذا الاسم فسيعم القلق والحساسية و المخالفات في الوسط وسنقوم بمداخلة هذا الأم، وسيصبح هذا الشيء سبباً لتطورات سلبية كثيرة. وما شابه ذلك من التحذيرات والتصريحات التي تفوح منها رائحة الشوفينية والعرقية التي تخلق معها التجزئة و الصراع وحروباً بشرية لا نهاية لها.

وهكذا نجد بأن كبارنا تجمعوا وأتحدوا على نشر هذه الحكايات والخرافات الكاذبة في كل مكان، بحيث أصبح صوت عويلهم وصراخهم يشق الكون ويرن بالآذان في كل ساعة وثانية من هذه الايام، ولكن الجميع يعلم الهدف والغاية المخفية من هذه المسألة، وبنفس الوقت جميعنا نعلم سبب كل هذا الاهتمام والقيمة التي يعطونها لمدينة كركوك الغنية بخيراتها الباطنية والخارجية. فكل هذا واضح وظاهر للعيان والجميع يعلم مضمون هذه المسألة، ولكنني متأكدة بوجود غايات وأهداف سرية لا نعلمها وهذا ما يجعلني أتألم وأتمزق في داخلي .

لقد تم البدء بالانتخابات العامة في العراق خلال الأسبوع الماضي، ومن المعلوم أن كافة القوات الموجودة في المنطقة كانت تقوم بكتابة الحسابات على نتائج هذه الانتخابات. والجميع كانوا يناقشون نتائج هذه الانتخابات بحرارةٍ مشوقة وكبيرة، رغم معرفة النتائج التي تًنتظر منها. ولكن النقطة الأساسية والتي تلفت إنتباه الجميع هي مسألة كركوك التي تحوم حولها السيناريوهات والألاعيب الكبيرة بهدوء وسكون عجيبة. والشيء الذي أشعر به نحو هذه السيناريوهات هو القلق والخوف الصامت الذي يزحزح أعماقي منذ مداخلة الولايات المتحدة وحتى الأن، لأن من المحتمل أن تصبح هذه المسألة كحجة قوية لشن الحروب والصراعات الدامية بين شعوب هذه المنطقة بسبب المشاكل القومية والعرقية وحتى الأثنية في هذه الوهلة الأخيرة. والخوف الأساسي يكمن في احتمال تحول مسألة كركوك إلى وضعية مشابهة لوضع مشكلة القدس أي أن تصبح كركوك كالقدس الثانية، ولكنني حتى الأن غير متأكدة من صحة هذه المسألة وفي كثير من الأحيان أتسائل مع نفسي هل حقاً ستتحول كركوك إلى مشكلة معقدة كمشكلة القدس، أم أن كل هذه الدعايات هي عبارة من الخرافات والحكايات الفارغة ؟

أم هي عبارة عن سيناريو وحيلٍ مخادعة؟ ولأجل إفراغ هذه اللعبة كيف يجب أن نتحرك وبأي وسيلة سنقضي عليها؟ وبأي صوت سنتكلم ونتوحد لعدم الوقوع في هذه المصيدة؟ و يجب أن نبدي أهمية بالغة لهذه الأسئلة المصيرية التي تهدد وجود الأمن والسلام في هذه المدينة، وليس من العيب ان نخاف ونقلق على نتائج هذه المسألة بل أن العيب يكمن في التقرب المعاكس لهذه المسألة. و من لواجب أن نقنع أنفسنا بأن الدواء الأساسي لمعالجة وإزالة الخوف والقلق الذي يطوف حول هذه المنطقة هو الحل الديمقراطي والسلام الدائم بين شعب هذه البلدة، وخلق جو مفعم بالأخوة والعلاقات الحميمة في ما بينهم عن طريق نظام وثقافة ديمقراطية حقة. والتجنب من التقربات والمفاهيم القومية والعرقية الرجعية التي تعيق تطور هذه الثقافة والأنظمة الديمقراطية المسالمة،وقبل كل شيء يجب فتح السبيل أمام التعددية الديمقراطية على كافة الأصعدة، والوقوف والتحدي ضد الأنظمة القومية البدائية والتي تخلق معها التجزئة والتفرقة العنصرية بين الشعوب. ولكن إذا دامت الأحوال على هذا الشكل فلن نستطيع التقدم بأي خطوة نحو الديمقراطية والأخوة في غضون هذه المرحلة الحساسة والخطرة، ورغم أن الجميع يعلم بأن كركوك هي مدينة كردية نرى بأن الكثير من الفئات المثقفة والذين يدعون بأنهم أصحاب هذه الأرض العريقة لا يتجرؤون على الإعتراف بأن كركوك هي مدينة كردية ويتقربون حسب التوازنات والحسابات السياسية المزيفة، إلى جانب كل هذا نرى بأن مسألة القدس قد تحولت إلى مركز الخوف والقلق لبعض من الأطراف والفئات السياسية في هذه المرحلة وبنفس الوقت فقد تحولت هذه المسألة إلى هواية ومهنة محترفة لبعض القوات الأخرى في هذه المنطقة

. وكأن الإنكار والتفرقة هي بمثابة قدرٍ مكتوب على جبين الشعب الكردي. والجميع يعلم بأن التحديات والمقاومات السطحية والضعيفة لن تستطيع أن تحرر هذا الشعب من كمائن هذا القدر الملعون، ولكن كما أكدنا في البداية بأن الحل الديمقراطي هو الداء الأساسي لهذه العقدة العمياء، ويجب أن تكون الوحدة والتضامن بين الشعوب التي تعيش على هذه التراب مفهوم وطراز حياتنا الأساسي في هذه المنطقة. وكجميع مدن مزوبوتاميا القديمة نجد بأن كركوك أيضاً تحضن في داخلها موزايكً غني من الشعوب والأقليات والديانات المختلفة وهذا ما يزيد من جمال وجاذبية هذه المدينة العريقة. وجميع الحفريات والبحوثات والمعلومات التاريخية والأركولوجية تثبت بأن هذه المدينة هي مدينة كردية قديمة ولكنها تحتوي في داخلها على أقليات وثقافات عديدة منذ القِدم، لهذا فالذين يهاجمون ويتصدون ضد عملية تحويل مدينة كركوك إلى قدسٍ ثانية هم من الذين يؤمنون بالديمقراطية والذين عاشوا و ذاقوا مرارة ومعانات الحروب الدامية طوال هذه السنين .ولكن الوقوف ضد هذه الألاعيب والأكاذيب التي تقال بحق هذه المدينة القديمة هو شيء مغاير جدا عن الأول، والشيء الذي يزيد من حنقي هو تقرب الساسة والقادة الأكراد الذين يدعون بأنهم يمثلون إرادة الشعب الكردي، أي أنهم حتى الآن لم يبادروا بأي موقفٍ يدل على عدم صحة هذه الحكايات والأكاذيب الفارغة

. فماذا ينتظرون حتى الآن؟ أهل يصدقون هذه الخرافات أم ماذا؟ ولكنني منذ طفولتي وحتى الآن لم أصدق في أية لحظة بوجود هذه الخرافات والحكايات الكاذبة، وآمُل أن ننجح في القضاء على هذه الألاعيب الخطرة في أقرب وقت. وكالمثال الذي يقول بأن شمعة الكذاب تحترق حتى ساعة النوم أعتقد بأنهم في نهاية الأمر سيعترفون بأن مدينة كركوك هي مدينة كردية قديمة دون أي خلاف وحكاياتٍ لا وجود لها على الإطلاق.

Ji pênûsa ciwanekî ji Kerkukê

اترك تعليقاً

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى