أخبارالمزيدمقالات

التحولات الاستراتيجية

نور الدين صوفي

التحولات الاستراتيجية

من الجدير بالذكر أن التحولات الاستراتيجية لقوة معينة هي أجراء التغييرات في برامج الأهداف وأساليب العمل والنضال وأشكاله و وسائله ، و قد تستهدف بعض هذه الجوانب أو كلها، وربما تكون اكثر جذرية فتشمل المبادئ والأيديولوجيات أيضاً، أو تكون مساحة التغير أصغر فتشمل أجزاء محدودة من هذه الجوانب الآنفة الذكر.

أما صفة التغيير فأنها تنبع من أسلوب التغيير نفسه ، فإذا كانت التغيرات جذرية وتستخدم فيها الأساليب الأكثر حدة فإنها تسمى بثورة ، إذا استخدمت الأساليب المرنة ولأغراض محدودة فإنها تسمى بالإصلاحات .

أما الهدف من التحولات الاستراتيجية، فإنه ينبع من الأسباب الرامية إلى هذا التحول وعند معرفة هذه الأسباب يمكننا معرفة أهداف التغيير أيضاً , فكل تغير ينبع من التطورات و المستجدات الخارجية أو الداخلية و التغير الديالكتيكي الذي تعيشه المؤثرات المختلفة و التي تجعل التحول ضرورياً لامناص منه , وإلا فإنه ستتم المراوحة في المكان ضمن القوالب الدوغمائية والعقائدية الجامدة. .لذ لك فإن كل قوة تطورية مجبرة على أجراء التغييرات اللازمة والضرورية في الزمان والمكان المناسبين وذلك لكي تتلائم مع الظروف والمستجدات وتستطيع أن تتماشى مع متطلبات كل مرحلة .و إن مراحل التغييرات تمتاز بالحساسية و تكون أحياناً محفوفة بالأخطار، و التاريخ حافل بالأمثلة على الكثير من القوى التي لا تمتلك القوة الديناميكية التي تدفعا إلى التغيير، فتكرر هذه القوى نفس وان مراحل التغيرات تمتاز بالحساسية و تكون احيانا محفوفة بالاخطار , والتاريخ حافل بالأمثلة على الكثير من القوى التي تمتلك القوة الديناميكية التي تدفعها إلى التغير . فتكرر هذه القوى نفسها وتبتعد عن مجملة الأحداث وتصبح رجعية مع الأيام .

وفي الجانب المقابل هناك أمثلة على قوى تقوم بالتغيير فقط لأسباب خارجية وتحت أسم التلائم مع الظروف دون وجود أهداف واضحة ,أي أنها تقوم بالتحول من أجل التحول فقط, وهذه القوى تفقد فاعليتها مع الأيام وتضيع في إطار الميوعة والوقوع تحت أسم التحول, لأن هذه التحولات لا تنبع من الحاجة أو الضرورة وليست لها أهداف بناءة وواضحة ولا تمتلك برنامج وعمل بديل. أن التمسك بزمام المبادرة خلال مرحلة التحول نقطة تمتلك أعظم الأهمية, لأن السيطرة على سير الأحداث و أجراء التغيير في الزمان و المكان المناسبين و ضمن الأطر المحدودة و المرسومة مسبقة أمر ضروري، لأن فقدان الحاكمية على الأحداث أثناء مرحلة التغيير قد تؤدي أحياناً إلى نتائج غير مرغوبة, وأن أقرب مثال إلى الأذهان حول هذا الموضوع يتمثل في الاتحاد السوفيتي،المنهار، فقط حاولت الإدارة السياسية في الاتحاد السوفيتي وعلي رأسها ميخائيل غورباتشوف, حاولت القيام بإجراء التغيرات في النظام السوفيتي ببنيته الفوقية والتحتية, وقد كانت هذه التحولات ضرورية دون شك, إلا أن فقدان هذه الإدارة زمام المبادرة في مرحلة ” البروسترشيا ” أي التحول و الإصلاح وقع بدفة الأحداث إلى الانهيار , وقد كانت النتائج وخيمة دفعت فاتورتها الإدارة السياسية والشعب السوفيتي الذي أستيقظ على انهيار النظام الاشتراكي للاتحاد السوفيتي والذي دفع عشرون مليون شهيداً ضربة من أجل بناء هذا النظام وترسيخه والدفاع عنه في الحرب العالمية الثانية .

ومع الدخول في الألفية الميلادية الثالثة “أي القرن الحادي والعشرين” ظهرت على الساحة مستجدات وتطورات تتطلب من كل قوة معينة أجراء التغييرات اللازمة والتحولات الاستراتيجية, وقامت مختلف القوي سواءاً كانت دول أو منظمات بأجراء تحليلات وحسابات دقيقة للسير وفق هذه المستجدات والتجارب مع متطلباتها باستثناء القليل من القوى الدوغمائية والرجعية, فإنه بالفعل قامت كل قوة بإجراء التغيرات المطلوبة أو العمل على ذلك .

فالشعب الكردي ظل محروماً من التحولات الاستراتيجية إلى درجة, فالتطورات الطبقية والاجتماعية نفسها لم تتم كما يجب وفقا ً لإدارته ومصالحه, بل إن هذه التغييرات تمت عن طريق التدخل الخارجي و وفقا ً لمصالحه واستمرار الإقطاع الرجعية وحتى القومية البدائية ومنظماته إلى يومنا الراهن هو إثبات لهذه الواقعية . .

ويكاد يكون التاريخ الكردي و بشكل خاص تاريخ المنظمات الكردية تكرارا ً لنفس المأساة, لذلك فإنها ظلت رجعية وحافظت على الوضع الراهن دون أن تبدي أي تغيير, ناهيك عن الوضع العام فٌٌُإنها لم تستطيع أن تغير نفسها في الوقت و المكان المناسبين وأصبحت عبئا ً على المجتمع .

فحزب العمال الكردستاني وحده ُ استطاع التجاوب مع هذه النظرية وأثبت خلال ربع قرن المنصرم، إنه منظمة تستطيع لعب دور الطليعة للشعب الكردي في أصعب الظروف, نتيجة لاعتماده ِ نظرية ثورية وامتلاكه لقوة التحليل للتاريخ والسير نحو الأمام وفق متطلبات العصر, ولعل أهم تحول يعيشه حزب العمال الكردستاني هي تلك التحولات الإستراتيجية التي تمت على ضوء مذكرة الدفاع التي قدمها السيد عبد الله أوج آلان إلى محكمة أمن الدولة التركية وشكلت تقريرا ً سياسيا ً قدم إلى المؤتمر الطارئ للحزب .

فما هذه التحولات الإستراتيجية التي يقوم بها حزب العمال الكردستاني …؟ وما هي الأسباب والدوافع التي أدت إلى مثل هذا التغيير وما هي الأهداف المتوخاة منه وكيف ستكون نتائجه ….؟ هذا وسأقوم بشرحه ِ في الصفحات الآتية.

حزب العمال الكردستاني ولد نتيجة للظروف الموضوعية على الصعيد الدولي و الإقليمي والكردستاني كممثل للطبقة العاملة, وقد حمل على عاتقه مهمة الثورة الوطنية و الديمقراطية لكردستان الخاضعة تحت نير الاستعمار الكلاسيكي والمجزأة بين أربعة دول مختلفة مستهدفا ً تحرير الشعب الكردي وبناء كردستان موحد وديمقراطية, ومن أجل تحقيق هذا الهدف عمل في الربع قرن المنصرم باستخدام مختلف الأساليب الثورية .

فبدءا ً من التحليل الإيديولوجي – النضال السياسي و الدعاية المسلحة و انتهاء بالحرب المسلحة التي استمرت بشكل رسمي بين أعوام 1984 وحتى 1999. أي مدة خمسة عشرة عاما ً وقدمت في سبيل ذلك المئات من الشهداء الأبرار من الخطوة الأولى التي خطاها الحزب وحتى يومنا الراهن .

وسطرت أروع ملاحم البطولة والفداء في مسيرة شائكة, هذه الحرب التي تسببت في مقتل ثلاثون ألف من كلا الطرفين و أهدرت الدولة التركية حسب الاعترافات الرسمية للمسؤولين الأتراك ما يناهز الأربع مائة مليار دولار, ناهيك عن الانهيار الاقتصادي الذي كلف الدولة التركية خلال مرحلة الحرب المسلحة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو, هل وصل حزب العمال الكردستاني إلى أهدافه المرجوة والتي ولد أصلا ً من أجل تحقيقها ….؟ للإجابة على هذا السؤال لابد من إجراء مقارنة بين الوضع الذي كان يعيشه الأكراد قبل ظهور حزب العمال الكردستاني و وضعه الراهن والتعرف على منجزات حزب العمال الكردستاني خلال الربع قرن المنصرم, فقد تحول الشعب الكردي بفضل نضال حزب العمال الكردستاني من شعب يعاني الانصهار وبعيد كل البعد عن الوحدة الوطنية والتنظيمية, ويعاني التجريد والعمالة حتى نخاع عظامه, تحول إلى شعب مؤمن بهويته القومية ويمتلك قوة تشمل مختلف نواحي الحياة, وتحولت المسألة الكردية إلى حديث الساعة مسألة تفرض الحل على المستوى العالمي و الإقليمي على حد سواء, فالمظاهرات الشعبية العارمة في أجزاء كردستان وفي المهجر أثبت للعدو قبل الصديق إلتفاف هذا الشعب حول قيادته الوطنية المتمثلة بالقائد عبد الله أوج آلان والسير وفق خطه الثوري وتبني مبادئه كأمل للخلاص والحرية والديمقراطية .

وإن النظر إلى الواقع الراهن للشعب الكردي يثبت إلى حزب العمال الكردستاني, و وفقا ً للظروف الداخلية و الخارجية ورغم الصعوبة الجمة قد قام بمهامه ِ بشرف و كرامة تليق بدماء الشهداء وبالمسؤولية التاريخية التي تبناها, وإنه قام بالثورة الوطنية كخطوة أولى نحو الحل الديمقراطي للمسألة الكردية و ولد الحاجة إلى خلق جو سلمي وديمقراطي يمكن من خلاله حل المسألة الكردية وفق المقاييس والتحليلات العلمية و العصرية .

ومن الجدير بالذكر إلى هذا التحول الأستراتيجي لم يأتي من فراغ بل كانت نتيجة حتمية تمخض عن النضال الثوري بأساليبه السياسية و المسلحة، و نتيجة للتطورات والمستجدات على مختلف الساحات.

وقد تم التحضير لهذه المرحلة منذ عام 1993 بمبادرة إيقاف إطلاق النار من طرف واحد أعلنه حزب العمال الكردستاني لتمهيد الطريق أمام الحل السلمي, وعن طريق المفاوضات التي تتم بين كل الأطراف المعنية .

إلا إن حكومة الحرب الخاصة وعلى رأسها رئيسة الوزارء تانسو جييلر الممثلة لسماسرة الحرب الخاصة وتجارها, قامت بنسف هذه المبادرة وقامت بتصفيات داخلية شملت رئيس الجمهورية تورغوت أوزال وقائد قوى “الجندرمة” أشرف بدليس والكثير من الجنرالات والسياسيين, وأعلنت الحرب ضد حزب العمال الكردستاني عن طريق حملات تمشيط موسعة طالت صفوف الشعب أيضا ً, حيث قامت بإحراق ما يقارب أربعة آلاف قرية و مزرعة كردية ومارست سياسة القمع و التهجير على الشعب الكردي المدني والمجرد من السلاح, و قد استمرت هذه الممارسات حتى سقوط حكومة تانسو جيللر نتيجة سياساتها المتهورة وعلاقاتها المشبوهة مع شبكات المافيا وتورطها في عمليات اختلاس طالت بنوك الدولة حتى ظهور فضيحة “سوسورلك ” المشهورة التي كشفت كل الأمور أمام الرأي العام التركي مما دفع الجيش إلى القيام بحملة 28 شباط لوضع نهاية لعمليات الاختلاس وإعادة الأمور إلى مسارها.

أستغل حزب العمال الكردستاني فرصة سقوط الكَونتر كَريلا وعلى رأسها تانسو جيللر, فأعلن وبشكل كامل إيقاف إطلاق النار من جانب واحد وذلك بمناسبة اليوم العالمي للسلام في اٌلأول من أيلول لعام 98 19,سانحا ً الفرصة بذلك للحكومة التركية لتعيد حساباتها من جديد وأن تضع نهاية للمهزلة والبدء بخطو خطوات ديمقراطية والسير نحو الحل السلمي والنضال السياسي .

إلا إن علاقات الدولة التركية مع إسرائيل و أمريكا, حاولت دون ذلك واستمرت نية حزب العمال الكردستاني الحسنة, وقد تمخض من هذه العلاقات التركية الإسرائيلية الأمريكية اتفاقية شملت النواحي العسكرية تلقت تركيا من خلالها دعما ً للاستمرار في حربها الظالمة ضد الأكراد, وقامت مع ربيباتها بالتخطيط لمؤامرة دولية ووضع اللمسات الأخيرة على السيناريو القذر و الذي شمل الدول الإمبريالية و روسيا و إسرائيل، هذا السيناريو الذي نفذ ضد السيد عبد الله أوج آلان بتسليمه إلى الحكومة التركية في 15 شباط بعملية قرصنة و ألاعيب استخباراتية قذرة و همجية لم يشهد لها التاريخ مثيلا ً.

وهذه المؤامرات كانت تستهدف التحول الإستراتيجي لحزب العمال الكردستاني و منعه من التطور ولعب دوره الطليعي, وبالتالي خنقه في حرب انتقامية تجعل من تركيا ساحة للعداوة التاريخية و حوض دماء تستمر في حرب لا طائل ولا نهاية لها .

إلا إن جواب أوج آلان و رده ُ المناسب جاء سريعا ً و نابعا ً من روح المسؤولية القيادية التي تميز بها على الدوام ورغم ظروف التجريد التي يعانيها في سجنه في وسط البحر, استطاع إفراغ هذه المخططات من محتواها و غير مسار الأحداث معلنا ً نهاية الحرب المسلحة و فتح الطريق أمام الحل السلمي و الديمقراطي, و أسقط كل المخططات الإمبريالية في المخيض, و قدم التحليلات العلمية و النظرية لمرحلة التحول الإستراتيجي في برنامج عمل حزب العمال الكردستاني من خلال مذكرة الدفاع التي قدمها لمحكمة أمن الدولة التركية, و جاء المؤتمر السابع الطارئ للحزب مؤيدا ً لأفكار القائد أوجلان وعبر التزامه بها و بدأ بالفعل بالتحول الإستراتيجي المطلوب .

وقد مرت ثلاثة سنوات على هذه الخطوات التي خطاها الحزب وهو يحاول اليوم بالاستمرار في هذا التغيير وبشكل كامل للاستمرار بدوره الطليعي لحل المسألة الكردية في الإطار الديمقراطي وبالطرق السلمية. هذا التغيير الذي يأمل أن يأخذ شكله ُ النهائي ليشمل حتى أسم الحزب و بنائه التن

اترك تعليقاً

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى