
المقابلة مع بعد الرفيقات والرفاق الشبيبة المناضلة.
حاولنا في عددنا هذا اجراء نقاشات وحوارات مع الجيل المفعم بالحيوية والذي يحمل في فؤاده قلبا لا يعرف السكون، بل في حالة من البحث عن الجدبد. والموضوع الذي تناولناه هو دور الشبيبة في المرحلة الراهنة والمستوى الذي بلغته، اضافة الى نقاش الضرورات والحاجات التي تفرضها المرحلة الجديدة، ولنتابع معا الا حاديث التي دارت بيننا وبين الرفاق. كيف لشبيبة الشرق الأوسط قلب المداخلة الأمريكية بالجهة المعاكسة وتغيير مجرى التطورات؟ الرفيقة أرجين كوباني: برايي، المداخلة التي أعلنتها وحققتها أمريكا في العراق، هي مداخلة لعموم الشرق الأوسط ومستهدفة إلى صهر ثقافة الشرق الأوسط وجردها من جذورها التاريخية. قد يتظاهر على ان المداخلة تستهدف الاستيلاء على مصادر النفط، إلا أننا كما أمريكا على تمام اليقين بمتانة الجذور التاريخية الذي يتمتع به شعوب الشرق الأوسط، والانكى منه إن إنسان الشرق الأوسطي إنسان لا يستغني عن قيمه المعنوية بالسهولة التي يظنها البعض من الجهات، لذا قد تعلن امريكا نصرها في العراق الا انها ستبقى عاجزة عن حماية مصالحها مهما كانت تتمتع بالقوة التقنية، وهذه حقيقة جلية لا تقبل الجدل. ففي الوقت الذي نلقي الضوء على الاساليب المتبعة من قبل امريكا، يتضح لنا ان الهدف الاساسي من مداخلته العسكرية وتحاملاته النفسية ما هو الا ازالة الثقافة التي تمتد جذورها الى امد طويل والتي تشكل غناء للمنطقة؛ اضعاف الوعي التاريخي المترسخ في عقل الباطني للشرق الاوسط هو من اولى الاهداف التي تسعى امريكا الى تحقيقه.
لا شك أن امريكا ستضاعف من سياستها ازاء الشبيبة قبل اية فئة اخرى، لان الشبيبة تملك الطاقة والقوى التي باستطاعتها رسم مستقبل الشعوب في المرتبة الاولى بعد المراة. فالشبيبة التي هي على صلة وثيقة بالجذور التاريخية وتعمل على استخلاص الدروس من التجارب، وغدت قوة باستطاعتها تحليل الواقع المعاش وصورة المستقبل، هي في الوقت نفسه من اكثر الفئات ترشيحا لتقديم شتى المساهمات لوطنهم وشعبهم. في الحقيقة، تشكل الدول القائمة في الشرق الاوسط عقبة وعائقاً امام انفجار طاقة الشبيبة، لانها ذات انظمة ديكتاتورية بعيدة كل البعد عن الديمقراطية، اذ يمكننا تناول صدام كخير مثال على ذلك. طبعاً ستحاول امريكا الافصاح عن مداخلتها هذه على انها في سبيل هدم النظام الديكتاتوري وبناء نظام ديمقراطي عوضاً عنه، وذلك من اجل اخفاء الوجه الحقيقي للمداخلة، والمداخلة العسكرية التي بدأت تحت مثل هذه الشعارات هو خير دليل على هكذا مواقف. بناء على ذلك سيبذل قصارى جهده في سبيل اكساب فئة الشبيبة اولاًُ وذلك عبر بعض العهود المزيفة ومنح الامكانيات المادية، وقد بدأت بمثل هذه الانشطة في الجامعات العراقية من الان. بعبارة اخرى ستزيد امريكا من سياستها المتبعة ازاء الشبيبة وذلك عن طريق مراجعة المفاهيم التي تدفع بالانانية الى الصدارة، وبهذا الشكل ستشل من قوة الشبيبة الفعالة لتجعلها فئة لا حول ولا قوة لها. لكن ثمة حقيقة تاريخية تؤكد لنا بان زرع مفهوم الانانية في ذات الانسان الشرق الاوسطي امر صعب بل ومستحيل، لان الميراث التاريخي والرصيد الثقافي يتنافر مع هذا المفهوم. لذا سنجد انه لن يبقى امام امريكا الا ازدياد حدة التناقضات الشتى فيما بين المجتمعات القاطنة على تراب الشرق الاوسط، ولا ريب في انها ستحاول جذب الشبيبة الى كمين سياسي كهذا قبل أي شيء آخر.
انطلاقاً مما ذكرنا أعلاه. ستكون فئة الشبيبة من أكثر الفئات التي ستواجه المشاكل من الان وصاعداً؛ قلب المداخلة بالجهة المعاكسة ووضعها لخدمة الشرق الاوسط ممكن فقط باعادة وبناء الذات من جديد والتسلح بقوة تنظيمية رصينة وذلك بعد عملية استجوابية مع الذات وتحليل المستقبل المرسوم بصورة ووجهة نظر موضوعية. فنحن كشبيبة الشرق الاوسط من الضروري تحليل الاسباب التي هيأت الارضية للمداخلة الامريكية ولا سيما بنى الانظمة اللاديمقراطية، والانكى من كل ذلك علينا بلوغ مستوى الطليعة التي باستطاعتها قلب مجرى الامور اعتماداً على الديناميكية الذاتية. لذا لا بد وان يكون تحويل الاسلام الى اسلام ديمقراطي ـ دمقراطة الاسلام ـ من أولى الاهداف التي علينا القيام به في الفترة الراهنة، كما وعلينا مراجعة المصادر التي تزيد غنى شرق الاوسط سواء كانت ثقافية او تاريخية او اجتماعية. ولنتمكن من تحقيق ذلك علينا وقبل كل شيء جعل نقاط الضعف التي نعانيها، نقطة البدء بانطلاقة اقوى. ولا بد ان يكون رفضنا للمستقبل المرسوم على يد الامبريالية رفضاً باتاً، ويسعنا تناول انطلاقة PKKالحركة الأبوجية التي بدأت بفئة الشبيبة كمثال حي لنا ونجعله مصدر القوة لنا. اذ ان التطورات الذي حققها الحركة والتي تجد انعكاسها بصورة جلية في التطورات على شكل مصدر التوجيهات والارشادات لنا من حيث تعيين المستقبل. اذا ما قمنا باعادة وبناء الذات على اساس نهج مانيفستو الحضارة الديمقراطية الذي قدمه القائدAPO ، سنتمكن من ازالة الارضية التي تمهد السبيل للمداخلة الخارجية في عموم شرق الاوسط. هكذا فقط يمكننا تبني نهج أبطال الشرق ونغدوا مقاتلي نهج الحرية الذي رسمه القائد APO.
س ـ ما مدى انعكاس تاثير ديناميكية شبيبة الكرد على شبيبة الشرق الأوسط .؟
الرفيقة سلانة ديرك: تمتعت حركة الحرية التي بدأت بعد ماهر جايان ودنيز كزمش عام 1978 بخاصية الشبيبة. فحتى ولو كانت تشكل حركة الانبعاث الكردي، الا انها في الوقت عينه حركة الانبعاث للشعب التركي ولي لكافة شعوب الشرق الاوسط. في هذا المضمار يمكننا القول ان تمتع هذه الحركة بروح الحيوية جعلت من صوت الشبيبة الخافتة صوتاً يتعالى من جديد ليتحد معاً في العمليات المطالبة بالديمقراطية. فمثلما اصبح كفاح الحرية الذي خاضه ماهر وامثاله الحجر الاساسي بالنسبة للثورة التحررية، غدت أيضاً طليعة لانفجار الطاقة الكامنة في الشبيبة، وبالتالي اصبح ميراث تاريخي ليشكل فيما بعد صلة الوصل فيما بين الحركات التي تعتمد على الاسس الثورية. فعلى سبيل المثال: احتلت الانتفاضات التي تحققت تحت طليعة الشبيبة في الصراعات الفلسطينية ـ الاسرائلية مرتبة الصدارة، وقد باركناهم نحن شبيبة الكرد على روحهم الذي ينبض للحرية ولا يخشع للاستسلام، لان مضمون المقاومة مضمون ثوري ولا يترك اية ثغرة ليتسرب من خلاله الافكار الماسونية. فشبيبة الكرد باركت الشبيبة الثورية جمعاء في شخصية الشبيبة الفلسطينية. قد يكون من الصعب القول ان شبيبة الكرد وشبيبة الشرق الاوسط قد اجتمعا في ميدان مشترك حالياً، لكن المهم بالنسبة لنا هو ان الانشطة التي تقوم بها شبيبة الشرق الاوسط ـ ولو انها ليست بالمستوى المرجو ـ هي انشطة تعزز من المفهوم الثوري يوم بيوم. فالعمليات التي قامت بها الشبيبة في كل من مصر وايران احتجاجاً على النظام، والمظاهرات التي قامت بها الشبيبة في اربيل وتركيا وغيرها في العديد من المدن رفضاً للحرب المعلنة، تتحد جميعاً في روح الديمقراطية ورفض العنف تماماً.
لكن يجدر بي الاشارة على نقطة اجدها بالغة في الاهمية: وهو من الضروري تجديد شكل هذه العمليات واغناءها شكلاً وهدفاً والحفاظ على استمراريتها، عكس ذلك يتنافر مع جوهر الشبيبة وحقيقتها. أي هناك عمليات تحتوي على اهداف وذات جوهر مضاد للامبريالية، الا انها تبقى ناقصة في نقطة الابداع المتواصل وانعكاس لون وروح الشبيبة في العمليات التي تتحقق بطليعتها. اضافة الى ذلك فان مساهمات الشبيبة في المجالات الديمقراطية والحفاظ على الجوهر الثوري والقيام بالدور الريادي امر لا مفر منه. يتطلب ادراك مرافعة الانسان الحر، وماهية الشبيبة، وادراك الاعمال الخارقة التي باستطاعة الشبيبة انجازها طالما هي صاحبة الجوهر الثوري وقادرة على عكس هذا الجوهر في كافة العمليات المطالبة بالديمقراطية. فالشرق الاوسط الديمقراطي الذي تناوله القائد الوطني في مرافعاته ممكن فقط بالوحدة والشراكة فيما بين الشبيبة، لان العلاقة التي تربط شبيبة الكرد بشبيبة الشرق الاوسط عموماً والعرب خاصة، مرهون على تحديد الهدف الموحد وهو بناء مجتمع ديمقراطي يسوده الاخاء والعدالة والعلاقة المتبادلة.
س ـ ماهو مستوى انضمام الشبيبة الى الحياة الاجتماعية والسياسية…؟
الرفيق قهرمان روجافا: الشبيبة بطبيعتها هي حالة غير مستقرة ومرحلة البحوثات، فالشبيبة هي المرحلة الانتقالية فيما بين مرحلة الطفولة البعيدة عن رفع المسؤولية والشيخوخة التي عانت من الارهاق نتيجة الاعمال الجمة والتجارب الصعبة التي مرت بها في الحياة. فاذا ما أخذنا الفلاسفة والنفسانين بعين الاعتبار، نجد انهم قد دخلوا غمار بحوثات عنيفة في مرحلة الشبيبة على الاغلب. من ناحية اخرى نجد ان المجتمع التقليدي يعيق بحوثات الشبيبة بافظع الاشكال التي تؤدي بالانسان الى الانغلاق النفسي، فمثلاً الولد المثالي بالنسبة للعائلة هو ذاك المسكين الذي لا يسبب للعائلة باية مشاكل ويهتم بدراسته فقط، أما الدولة فما تأمله من الشاب هوان يكون جندي وموظف جيد، وهكذا يتعين مصير الشبيبة على الاغلب. أي أن يكون طالباً مجداً ومن ثم جندياً وفياً ومن ثم موظفاً مخلصاً وهكذا حتى يبلغ المستوى الذي بلغه اجداده. اما اذا ما تناولنا الموضوع من الناحية السياسية فسنجد انها وخيمة اكثر، فمثلاً ليتمكن من التصويت عليه ان يبلغ الحادي والعشرين من عمره وكي يصبح اداري محلي عليه بلوغ الخامس والعشرين وكي يكتسب رتبة النائب عليه ان يكون في الثلاثين من العمر، أي عليه الانتظار لمدة خمسة وثلاثين سنة كي يتمكن من الانضمام الى المجالات السياسية. ونظراً لكون السياسة من اعمال الثقيلة التي تحتاج الى فكر ووعي ناضج (وفق المقاييس والمعايير العامة) نجد ان الشبيبة تُترك خارج نطاق هذه الانشطة، اما النتيجة؛ تبقى الشبيبة عاجزة عن الفكر والتفكير واتخاذ القرار المناسب ولا سيما ترجمته على ارض الواقع، وبتعريفه على انه غير ناضج لا يفسح المجال له للانضمام الى ما يدعى بالامور السياسية وهكذا يتعين مصير الشبيبة وتبقى هي الاخرى محكومة النظام.
لا شك في ان موقف اجتماعي وسياسي من الذي ذكرناه لا يعبر عن حقيقة الشبيبة، اذ ان تعيين مصير الشبيبة بافكار وقرارات غير طابعة بطابع الشبيبة امر يتنافر مع الديمقراطية، ومن المعلوم ان كافة الحركات العظمى والثورية التي حددت مسار التاريخ قد تمت بدافع من الطاقة الكامنة للشبيبة ولا سيما ديناميكيتها، لكن النظام الرأسمالي الحالي على العكس من الاشتراكية تخشى من طاقة وديناميكية الشبيبة وذلك في سبيل ضمان انتاجه الخاص به. اما بالنسبة للمجتمع التقليدي السائد في الشرق الاوسط وكذلك بنى الانظمة التي لا تزال تحافظ عليها حتى الوقت الراهن؛ تتبنى مفهوماً يضاعف من تضييق الحصار على الشبيبة. لذا فان انقاذ الشبيبة من هذه الحقيقة المأساوية وهدم الأنظمة القائمة اصعب من أي عمل اخر ويحتاج الى جهد جهيد. بلا شك صرف الجهود فقط غير كافي لذلك، بل ينبغي بلوغ العاطفة التي تنبض وتقول: ” المستقبل لنا”. والشبيبة التي تؤمن بهذا الشيء، ستحقق العملية وتقوم بالسياسة دون ان تهتم باية من العراقيل. عكس ذلك لن تتجاوز الشبيبة حدود اللعبة التي رسمها النظام ولن تتمكن من خرق قوانينها وسيغدو موظفا وفيا حسب مفهوم الدولة.
كيف لك تقييم الدور الذي تؤديها الشبيبة في المرحلة الراهنة
الرفيقة زارين كوباني: الشبيبة هي وقود الثورة والطاقة الكامنة القادرة على اجراء التحول والتغيير في المجتمع، كما انها قابلة للتجديد اكثر من اية فئة اجتماعية اخرى، ولتمتعها بمثل هذه الخصائص تستطيع توجيه المجتمع نحو بناء جديد. في هذه المرحلة بالذات يكون الفرد صاحب بحث دائم وفي قمة التكوين الفكري والبدني، ولكي يخضع قوته لخدمة المجتمع، عليه وقبل كل شيء تحديد المسار الصحيح لفكره وعاطفته. ومن المفروض ان تصبح الشبيبة القوة الريادية المفعمة بالوعي التاريخي والاجتماعي والثقافي كي تكون ذات دور فعال في التغيير الذي يفرضه المرحلة، وتجنب التقليد والذهنية الدوغمائية المترسخة في منطقة الشرق الاوسط، والتجاوب مع حاجات المجتمع دون غض النظر عن القضايا التي تعانيها المنطقة عموماً. لا يمكننا تناول الحوادث اليومية إلا بالعودة الى الحقائق التاريخية. فمنطقتنا بأمس الحاجة الى تحقيق الثورة الذهنية كي يتمكن من مواكبة العصر الراهن. اضافة الى ما ذكرناه على الشبيبة تحليل الواقع الاجتماعي بوجهة نظر علمية، وتفادي مفاهيم التجزئة اياً كانت شكلها، وان لا تقع في كمين الثقافة الامبريالية، بلا شك لا نقصد انكار التطور والتقدم الذي حققه التقنية المعاصرة، بل على العكس من ذلك ينبغي التسلح بالمعرفة وازالة الحدود التي تضيق الخناق على حرية الفرد. يعد مكافحة الفكر القومي الشوفيني البدائي من اولى المهمات الملاقاة على عاتق الشبيبة، نظراً لكونها تهديد ازاء روح العصر الديمقراطي للشعوب الشرق الاوسط. وعلينا وضع القضايا الرئيسية التي نعانيها على طاولة النقاش سواء اكان عبر عقد ندوات ثقافية او مؤتمرات خاصة بالشبيبة،لايجاد الحل الناجع لها. بلا ريب ماذكرناه ساري المفعول بالنسبة لكافة الشبيبة، كردية كانت ام تركية، عربية كانت ام فارسية، لانه ثمة ضرورة لاجراء نقاشات شاملة وواسعة وحرة بحيث يعبر كلٍ عن هويته الايديولوجية والسياسية. وكخلاصة يمكنني القول بان تحقيق شرق اوسط موحد وديمقراطي مرهون على تحقيق وحدة شبيبتها قبل أي فئة اخرى.






