أخبارالمزيدمقالات

آراء القائد عبدلله أوج آلان حول الدولة والسلطة

جرحى الحرب

 

 

 

في المقالة السابقة تطرقنا حول مواضيع كثيرة ومنها موضوع العقلانية الأوربية التي إعتمدت على الذكاء التحليلي وأهملت الذكاء العاطفي لدرجة كبيرة وبهذا الشكل انقطعت هذه العقلانية عن الإخلاق والقيم الإجتماعية العريقة للبشرية (روح الجماعة، التعاون، المعنويات، الدين، الصداقة، الصميمية……..إلخ).و كما أشرنا إلى منشأ الدولة ولو بشكل مقتطف على أساس سيطرة جنس الرجل على جنس المرأة وظهور المدن في أسفل جغرافيا بلاد الرافدين (سومر) وتشكل الطبقات (العبيد، أسياد العبيد) بذهنية الميثولوجيا(أسطورة) السومرية في المعبد السومري وعلى يد الرهبان كممثلين للإله أنكي ( إله الرجل ) الذي تمكن من سرق مقدسات وقيم نينهورساك ( الإلهة الأم ).

كما تطرقنا إلى العقلانية الأوربية التي دعت إلى فكرة سيطرة الإنسان على الطبيعة وبشكل بشع لا داعي له وحول الإنسان إلى عدو للطبيعة وبالتالي رفع شعار ” الإنسان هو عدو للإنسان ” أو ” الإنسان هو دودة الإنسان القاتلة “. ولكننا لم نذكر أسماء هؤلاء العقلانيين من مفكرين وفلاسفة ولم نوضح بما فيه الكفاية مساهمتهم في تحويل كل ميراث البشرية و حتى حول الدين إلى قوموية متعصبة سوداوية ومأساوية و تحولت إلى وباء سرطاني يأكل جسد البشرية في كل أرجاء المعمورة.

كنا نفتخر بـ سبينوزا وفرنسيس باكون وديكارت وحتى بـ ميكافيلي وبعدهم هيغل …. وغيرهم كمفكرين وفلاسفة فتحوا الطريق أمام ” العصرية ” و “التقدمية ” و ” التطور “، ولكن بعد قراءتنا لمرافعات القائد عبدالله أوج آلان إستطعنا أن نرفع الستار عن أعيننا ونرى الحقيقة ونرتبط بها كما يرتبط العاشق التصوفي بالعشق الإلهي ونفهم مصدر كثير من المفاهيم مثل الدولة والقومية التي كنا نتصور بأنها عصا سحرية لحل مشاكلنا المتراكمة. ورأينا بأن هذه المفاهيم وترجمتها العملية في الواقع هو السبب في آلامنا ومصائبنا. من هذه المفاهيم المرضية القومية والقوموية. للوهلة الأولى، قد يخطر إلى بال القارئ السؤال التالي: ما علاقة الفلسفة الأوربية التنويرية أو العقلانية الأوربية بالقوموية؟ إننا نعرف من خلال قراءتنا لسير تطور التاريخ وخصوصاً الحضارة الدولتية ـ الطبقية ـ الرجولية المهيمنة؛ بأن القوموية كذهنية، تطورت على أرضية هذه الفلسفة وترجمتها في السياسة وعلم الإجتماع. وسوف نحاول هنا إيضاح هذه المسألة ولكن في المقالة القادمة.

حول القومية.

أن أكبر ثورة من ناحية تطور التقنية في الأدوات ظهرت مع الثورة الزراعية القروية التي قادتها المرأة حوالي 12 ـ 15 ألف عام ق.م. على وجه ألخصوص وكل التطورات التكنيكية التي سبقتها مرتبطة بها أو إستفادت من هذه الأرضية التقنية التاريخية. لذا فأن الثورة التقنية ـ الصناعية التي ظهرت في أوروبا خلال بداية العقد الثاني من القرن الثامن عشر وأمتدت حتى نهاية العقد الأول من القرن العشرين، مرتبط بهذه القاعدة التاريخية النيولتية لهذا التطور التقني.

هناك فكرة خاطئة ومشوهة عن هذا الموضوع مفادها؛ بأن كل هذه التطورات بدأت مع صعود البرجوازية إلى سدة الحكم في الدول الأوروبية الحديثة على أساس فكرة القوموية والسوق القومي وبحدود السياسة القومية. هذا التشويه لعمليةالتطور التاريخ أدت إلى تكبير دور البرجوازية وتجميلها ونعتها ” بالتقدمية ” و ” الديمقراطية ” وما شابه من الأسماء. إن الفيلسوف والعالم عبد الله أوج آلان يؤكد بأن الطبقة التجارية البرجوازية لم تلعب مثل هذا الدور، بل جلست على ميراث الإنسانية من الناحية التقنية ـ العلمية ووضعها تحت خدمة سلطتها الإستغلالية التحكمية.

البرجوازية الأوربية استولت على الإقتصاد إلى جانب التكنيك عبر أساليبها الخداعة المستندة إلى مهنة التجارة وتحويل كل شيء حتى أقدس القيم إلى بضاعة. هذه الطبقة لم تنشأ في أوربا منذ البداية، بل ترعرعت في المدن السومرية الأولى (أور ـ أوروك) ثم في المدن الآشورية والبابلية والميتانية (نينوى، بابل، أورفا، أوركيش، كانيش) ثم في المدن اليونانية والرومانية (أثينا، روما، ….. وإلخ) ثم في الحواضر الإسلامية (بغداد، شام، قاهرة، مكة…) ثم في مدن عصور الوسطى الإيطالية (بندقية، جنورة، فلورنسا….. إلخ) ثم في المدن الرأسمالية الأوربية الحديثة مثل أمستردام ولندن.

من الناحية الفكرية ـ الإيديولوجية: إستطاعت البرجوازية الإستفادة من الماسونية اليهودية التي تحالفت مع البروتستانتية كمذهب مرن ومنقطع عن تقاليد وأخلاقيات الديانات السماوية بدرجة كبيرة. لقد هيأت البروتستانتية الأرضية الإجتماعية والإخلاقية للبرجوازية لكي تتمكن من السيطرة على المجتمع بسهولة في أوربا وخاصة في هولندا وأنكلترا منذ البداية، وذلك بدعم من الفئة اليهودية العليا من التجار والمصرفيين.

لقد تطورت القوموية (اللغة الواحدة، العلم الواحدة، الحدود السياسية القومية، السوق القومية والسلطة السياسية المركزية) التي وصلت إلى الفاشية في شخص هتلر على هذه الأرضية. لذا لا يمكن فصل القوموية عن هذه التطورات. على الرغم من أن الإصلاح الديني المتمثل في البروتستانتية كان لها أهداف تخدم الديمقراطية والتطور، لإنها إنتفضت ضد الكنيسة الإقطاعية المتشددة والرجعية. إلا أن الرجوازية كطبقة ناشئة ومسيسة ألتفت حول هذه التطورات ووضعت جهود المضطهدين وتضحياتهم ضد الإقطاعية تحت خدمتها، من خلال تحالفها مع الإقطاعية والكنيسة التي فقدت الشيء الكثير من سلطتها ووقعت في وضع صعب.

حتى الماركسية (كأيديولوجية أكثر راديكالية ضد البرجوازية) لم تفهم هذا الموضوع، لذا وقعت في الخطأ عندما نعت دور البرجوازية هي التي قادت الثورات في أوربا وطورت الإقتصاد والعلم والتكنيك، مع العلم إن حقيقة الأمر ليس كذلك، فالبرجوازية أستولت مثل الحرامي على الأقتصاد والعلم والتكنيك كميراث للإنسانية منذ عهود المزوليتيك (عصر الحجري الوسط) والنيوليتيك (العصر الحجري الح…

البرجوازية طورت فكرة القوموية لتحويل المجتمع إلى جموع غفيرة من المتعصبين المريدين لدين جديد هو القومية. وتحولت هذا المرض إلى وباء سرطاني في القارات بعد نهاية العقد الأول من القرن العشرين. بالصهيونية والطورانية التركية والبعثوية والشيعية الإيرانية والقومية الكردية البدائية تستند إلى هذا الميراث. ميراث هتلر وموسوليني وفرانكو. لقد ترعرعت أنور باشا كمثال للقوموية التركية ـ الطورانية الفاشية في مدارس جون كير (القوموية الألمانية) الصهيونية أيضا ظهرت في أوربا أولاً إنتقلت إلى الشرق الأوسط.

حتى لا نعطي المجال لمؤيدي بناء الدول الكبيرة والجيوش الدموية والمتحمسين للقوموية والشوفينية وصولاً إلى الفاشية؛ فإننا سوف نسلط الضوء ولو ببعض الجمل على البديل تحت ضوء آراء وفلسفة أوج آلان. قبل كل شيء إننا لسنا من أنصار الفوضوية، أي أنعدام النظام والإدارة. بل عندما نقول بأن الدولة ليس هو الحل، فإننا نتمسك بالبديل المطروح وهي ” السلطة الديمقراطية “. السلطة الديمقراطية التي نقصدها مختلفة جوهرياً وشكلياً عن مفهوم الدولة وسلطتها. لأن السلطة الديمقراطية يتأسس ويرى النور من خلال الديمقراطية المباشرة وليس التمثيلية. إنها تأخذ شكلها وروحها من حياة المجتمع الكومونالية ومن روح الجماعية الطبيعية للجماعات والفئات والمكونات الموجودة ضمن المجتمع. لذا نقطع الطريق أمام المتحمسين للدولة بهذه الجمل المفيدة ولا نعطيهم المجال لكي يتهمونا بالفوضوية أو الباكونينية أو البرودونية( قواد كومونة باريس.

بعد هذا التوضيح سنحاول الإجابة على الأسئلة التي طرحناها في المقال الأول. كثيراً ما نسمع المقولة التالية من الإنسان الكردي البسيط ” لو كان لدينا دولة لما كنا في هذه الحالة المأساوية”. ولكننا بنفس الوقت نسمع المقولة التالية من الإنسان العربي البسيط” لدينا 23 دولة، ولكن مع الأسف وضعنا مأساوي ولا نملك حتى حرية الكلام ضمن بيتنا”. إذاً المسألة واضحة في حالة الإنسان العربي وهو من ناحية، تعبير عن رأي المجتمع العربي كله في المسألة. نستنتج من هذا كله، بأن الشعوب العربية والكردية والفارسية والتركية والآشورية ـ السريانية ………إلخ ينقصهم الديمقراطية وليس الدولة.

هذه الشعوب تمكنت من القيام بالثورة اللغوية قبل الآن بـ 50 ألف سنة ولأول مرة في التاريخ المجتمع البشري. في تلك المرحلة كانت الإنسانية تعيش مرحلة الكلان (فخذ أو بطن أصغر من القبيلة ومؤلفة من 40 ـ 100 شخص يعيشون مثل عائلة كبيرة وبروح جماعية كومونالية). كما تمكنت هذه الشعوب من إيجاد ثقافاتها وتاريخها وذاكرتها المشتركة قبل الآن بـ 8 ـ 9 آلاف سنة، كما تمكنت هذه المجموعات الآرية والسامية من الوصول إلى مستوى تنظيم إجتماعي ـ ديمقراطي ـ كومونالي ـ طبيعي في نفس المرحلة (أي قبل الآن بـ 8 ـ 9 ألف سنة). واصلت هذه الشعوب مسيرتها حتى مرحلة ثقافة تل حلف (ق. م 5000 ـ 6000 سنة) وإستطاعت تسجيل تطورات طبعت الإنسانية بطابعها من الناحية المادية والمعنوية معاً.

كل هذه قبل ظهور الدولة في المدن السومرية الأولى ومحاولتها في تحويل هذه المجموعات البشرية العريقة إلى عبيد أو أداة من أجل الإنتاج المادي وليس أكثر. وفي يومنا هذا تحول هذا الإنسان إلى ” عصا ” بيد الدولة القومية تحت إسم ” المواطن الشريف والعصري “. إذاً المجتمع يتطور وينتج ويخلق ويبدع ويقفز نحو الامام على أساس جوهره الطبيعي وضمن جريانه مثل نهر الفرات أو الدجلة بدون الدولة. بينما تقوم الدولة مهما كانت شكلها، بسد الطريق أمام هذا الجريان البشري الطبيعي، من خلال تحويل الفرد والمجتمع إلى ” مواطن “، أي عبيد عصري لا روح له ولا معنويات، لا حول له ولا قوة. لا دين له ولا إله سوى الدولة. إذاً الدولة هي بلاء ووباء وسرطان وليس أداة للحل.

اترك تعليقاً

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى