
المجتمعية في جوهرها ظاهرة أيكولوجية: من الواقعية أن نعود إلى بدايات الحضارة، للبحث في أزمة النظام المجتمعي، وعمق الأيكولوجية، فكلما أغتربت العناصر المتحكمة بالمجتمع عن الأنسان، أغتربت عن الطبيعة، فهما ظاهرتان متداخلتان، والمجتمع في جوهره ظاهرة أيكولوجية، وما الجهود الهائلة التي بذلتها حركة النهضة “ronesans” إلا من أجل إعادة بناء الذهنية التي أنقطعت عن الطبيعة. تكون الايكولوجية علماً في نظام المجتمع الديمقراطي الأيكولوجي، والدور الذي يلعبه العلم والتقنية سيكون دوراَ أيكولوجياً. أما الإنسان فهو في جوهره جزء من الطبيعة الأكثر تطور، والفلسفة تعرف الانسان بالطبيعة التي أدركت ذاتها، فإستيعاب الطبيعة هو طموح لا يمكننا الاستغناء عنه, إن التلائم مع الطبيعةلا يحمل مغزى اجتماعي أو اقتصادي فحسب ، بل هي علاقة تبادلية في الأصل ، فالفضول الهائل لأنسنة الطبيعة من قبل الانسان، أظهرت للعيان مدى قدرته الانتاجية، وبهذا الاستيعاب للطبيعة تعرف الانسان على ذاته أكثر. ولن يتمكن أي نظام اجتماعي مهما كان من حماية قيمة الاخلاقية، حقيقة وجوده، مالم ينسجم مع الطبيعة، ولهذا السبب يتم تجاوز النظم الاجتماعية التي تتناقض قيمها الاخلاقية وحقائق وجودها مع البيئة والطبيعة، وتبرزعلاقة ديالكتيكية بين الفوضى البيئية التي يمر بها النظام الاجتماعي الرأسمالي، والكوارث الطبيعة التي يواجهها.
وبالإمكان الخروج من هذا النظام بتجاوز التناقضات الجذرية مع الطبيعة ، ومن غير الممكن حل هذه التناقضات مع الطبيعة بالحركات البيئية فقط، فهذه التناقضات أستحوذت على جوانب أكثر تطوراً ، ومن جانب آخر تجري عملية تحول أخلاقي في أثناء بناء المجتمع الايكولوجي. بالإمكان تجاوز الرأسمالية اللاخلاقية بتقرب أيكولوجي تستوجب العلاقة الوجدانية ـ الأخلاقية، روحاً مفعمة بالمحبة وتمتلك الحساسية، وتكون ذو قيمة أعلى إن تكاثفت مع الايكولوجيا. والأيكولوجينا تعني الصداقة مع الطبيعة، والإيمان بدين الطبيعة، وبهذا المعنى هو الفكر المتنورمع المجتمع العضوي الطبيعي، ومجتمع يفتقر إلى الوعي الأيكولوجي ، لا يكمنه التخلص من الانحلال والانحطاط، فالوعي الأيكولوجي في أساسه وعي أيدولوجي، وهو بمثابة جسر بين حدي الأخلاق والفلسفة، ويمكن تجاوز أزمة العصر والوصول بها إلى نظام اجتماعي صحيح بإتباع، سياسة تتمتع بمزايا أيكولوجية. ولمفهوم السلطة الأبويةـ الدولتية دور بارز في عدم حل مشكلة الحرية لدى المرأة، وكذلك المشاكل الأيكولوجية، والقضايا العالقة الأخرى المليئة بالأخطاء الحياتية، ومن ناحية أخرى كلما تطورت الحركة الفامينية والايكولوجية فقد النظام الأبوي الدولتي توازنه. تحقيق النجاح في الكفاح من أجل الديمقراطية والاشتراكية الحقيقية، مرتبط بأستهدافها لحرية المرأة، وخلاص المرأة، وخلاص البيئة.
تمحورت الشعارات الأساسية للشعوب حول الوطن ـ الوطنية الحرة والأشتراكية التي تتحقق مع الممارسة الأوسع نطاقاً للديمقراطية، بمعنى ترسيخ مفهوم ” المساواة بين اللامتساويين ـ اللاحقوقي، إلى جانب تعداد حرية الاعتقادات الدينية وترسيخ مؤاتمرات ديمقراطية لا ترتبط بالدولة. ولنا أن نرتب مشكلية التنظيم الديمقراطي، بأن نمثل بالمؤتمر الأعلى، تنظيم القاعدة يكون بمشاعات “komun” محلية، ومنظمات المجتمع المدني، ومنظمات حقوق الإنسان، والبلديات تأتي في المقدمة، بينما المؤتمرات الشعبية ليست بديلة للدولة ولاتابعة للدولة، ولايمكن النظر إليها على هذه الشاكلة فموديل المؤتمرات الشعبية يمثل وسيلة وقائية له مغزى حياتي في البلدان التي تواجه مشاكل ثقيلة الوطأة. الميول الحالية لأوروبا تتجه صوب الكونفدرالية الديمقراطية. تناحرت النزعة القومية والمذهبية لمدة أربعة قرون في أوربا وذلك مع مرحلة فاستيفاليا 1649 ومرحلة 1851، ومن ثم الحرب العالمية الأولى والثانية، ولقي مئات الألاف مصرعهم في هذه الحرب، والتي مهدت السبيل لهكذا نتائج كانت النزعة القومية إلى جانب الأديان والمذاهب التي أصبحت مصدراً للحرب، ولكن يتم الأن تخطي تلك المراحل.
يذكر أردوغان وهو يقصدنا بقوله هذا ، أني لا أقبل النزعة القومية التي تعتمد على الدين والأثنية والاقليمية، ومقولته هذه تعطني حق الرد عليه ” إن الذي يستثمر النزعة القومية الدينية وتأثيراتها هوAKP ولعناصر AKP تواجد في البنى النزعة القومية الكردية والتركية ، كما يوجد في داخله طاقم من الشيوخ والأغاوات ، فهو مذنب ويتهم الأخرين بذنوبه، وأؤكد بوضوح تام لـ AKP ، بأن تركيا تحتضن الكثيرين من الذين أصيبوا بداء التعصب القومي والاثنية والقومية الدينية، في راهننا تضلع البرجوازية بدور قيادية أوربا نحو الكونفدرالية الديمقراطية، فأنا أستخدم مصطلح الكونفدرالية الديمقراطية الشعبية ، وبدون اعتماد على الدولة والنزعة القومية، ولا تتخذ من الحدود السياسية أساساً ، فهي تشمل أي ديانة أو ثقافة سياسية كانت فلتكن. لا تهدف إلى الدولة. ما إقترحته لا يهدف إلى الدولة ، فالوطنية الديمقراطية تختلف من الوطنية الدولتية، ولهذا ذكرت أنه من الواجب القيام بمناقشة سليمة للنظرية والمصطلح والمؤسسات الكونفدرالية تعني الوطنية الديمقراطية، والوطنية الديمقراطية تعني ديمقراطية الشعب فهو نوع من التنظيم الرخو، ولا يحمل في طياته أي توجه نحو الدولة ، ويعبر عن نظرتنا إلى الاشتراكية والمساواة والحرية في ذات الوقت ، وبإمكان الشرق الأوسط التوجه نحو الكونفدرالية الديمقراطية، كما هو حال أوربا اليوم، والشرق الأوسط بتاريخية ملائم للكونفدرالية، ولا أدعي بأننا سوف نبهي هذا الأمر مباشرة اليوم أو غداً ، ولكن هذه هي وجهة العصر.
أحرقت الأيديولوجية القومية أوروبا لثلاث قرون ولفت بنيرانها الشرق الأوسط لمئة عام، فلم يجد الشرق الأوسط نفسه إلا وهو في مستنقع من القومية اليهودية الصهيونية، والنزعة القومية للبعث العربي، وقومية الأتحاد والترقي التركية، تحدث اجاويد في أحدى المراحل عن مشروع لفيدرالية بين تركيا وأذربيجان ” قبرص”. موديل الحل الكونفدرالية الديمقراطي الذي أتبناه لا يعطي المجال للعنف والانقسامات أنه طراز يعتمد على الطواعية وهذه هي طريقة الحل والتوجيهات التي اتبناه، عكسياً لن يكون إلا توجه يحمل في أحشائه النزعة القومية، كما هو معلوم فالنزعة القومية تفضي بالشعوب صوب التناحرات، وتمتص كافة قواها. التنظيم الوطني الديمقراطي ـ اللادولتي. ذكرت في ما مضى أن الكونفدرالية الديمقراطية تمثل الحل المناسب لشعوب الشرق أوسطية والعالم كافة ، الكونفدرالية الديمقراطية تعني تنظيم الأمة بدون دولة، والكونفدرالية هي تنظيم الأقليات والثقافة والاديان وحتى تنظيم الجنس إلى جانب التنظيمات الأخرى ، وهذا ما أصفه بتنظيم الوطني الديمقراطي، بحيث تكون لكل قرية مشاعية ديمقراطية. التاريخ ملؤه العديد من الامثلة، كديمقراطية أثينا، والسومرين الذين أمتلكوا تنظيم مشابه، وقد ذكرت ذلك بشكل مفصل في مرافعتي، وفي يومنا الراهن تبني أوروبا كونفدراليتها، والكونفدرالية الكردية تناسب الشرق الأوسط، والاسرائليين والفلسطينيين يمكنهم تأسيس الكونفدرالية وبالإمكان الإثنان والعشرون دولة عربية تأسيس كونفدرالية أما الأتراك بمقدورهم بناء كونفدرالية ديمقراطية، فمن غير المتستطاع جمع مجمل الأمة التركية تحت راية دولة واحدة، فلكل واحدة منهم دولة قومية والأنسب لهم تكوين كونفدرالية ديمقراطية.
تمتلك المنطقة أرضية قومية لتأسيس الكونفدرالية الديمقراطية. الطريق المناسبة والسليمة إلى الاشتراكية، ممكنة بمجتمع ملؤه المساواة، وتسمو فيها علاقات الأخوة والصداقة، وتعتمد على تربية خلاقة للحياة، ولا تعرف الحروب وتتبؤ الأخلاق مكانة الحقوق فيها. دامت حياة الشعوب الشرق الأوسطية، وعلى مدى تاريخها الطويل، أعتماداً على النظم الأثنية والتي تحمل في طياتها المساواة وقيم المجتمع المشاعي، وإن تم دمج هذه القيم التاريخية مع الامكانيات العلمية التقنية الهائلة في عصرنا، حينها ستتطور ديمقراطية لها طابع أيكولوجي والتحرر الجنسوي، ولن يكون هذا التطور إلا تعبيراً عن الأصالة والروعة. للمنطقة صفات فيدرالية تاريخياً، ولا تتحمل وجود العشرات من الدول القومية والموجودة منها لا تأتي بحلول مجدية، وأما المذاهب والبنى الأثنية والطرائق والجماعات الأخرى المختلفة تعمل لربط الدولة بعجلة يسيرونها هم، ومن ثم ينفذون على بعضهم البعض.
توجد العديد من الأسباب التاريخية والاجتماعية التي تعطي المجال لأرضية قوية لبناء الكونفدرالية الديمقراطية، وبقوة العملية الديمقراطية للشعب يمكننا التخلص من الأنظمة اللاديمقراطية ” الاتوقراطيةـ الثيوقراطية”. والطراز التنظيمي للحل الكونفدرالي الديمقراطي هو الأنسب للتوافق مع الموزاييك الثقافي للشرق الاوسط ، والتداخل اللغوي والديني الموجود فيه. يخلق الحل الكونفدرالي الديمقراطي نظام من العلاقات الارتباطية بين أجزاء كردستان والاكراد في خارج الوطن، ومن جانب أخر يهيء أرضية قوية لوحدة شعوب المنطقة على أساس المصالح المشتركة المتبادلة. وهكذا تصبح كردستان كونفدرالية ديمقراطية بمثابة مفتاح الديمقراطية الكونفدرالية للشرق الاوسط. الديمقراطية الكردية بدون دماء فهذا يناسب الاكراد، يستطيع الكرد بناء الكونفدرالية الديمقراطية بين أجزاء كردستان دون المساس بالحدود السياسية ، وعدم النظر إليها كعائق يجب هدمه ، بل جسراً لتطوير الكونفدرالية الديمقراطية ، فهذا لا يضر بأحد ، ويمكن من خلاله للكرد تأمين علاقاتهم السياسية والاجتماعية والثقافية ،وهكذا يستطيع الكرد العبور من مرحلة دموية ، وبذلك تتطور الديمقراطية بدون دماء، وفي حال العكس وإن لم يتم العمل بهذا المنطلق ، فسنرى أمامنا بحاراً من الدماء ، والتوجه صوب مرحلة مشابهة للصراع الفلسطيني الاسرائيلي الدموي ، وطراز الحل الذي أقترحه يمثل عائق للمتناحرين حول الدول الكردية القومية، بشرط أن تفتح الدول الوطنية أبوابها للديمقراطية ، وان لا يتدخلوا في شؤون التحول الديمقراطي للأمة الكردية والمساومة معهم، وسيكون هذا مكسباً عظيماً لتركيا وإيران وسوريا، وعلى الدولة القومية الكردية أن لا تكون عائقاً هي الأخرى.
الجزء الأول من حديث القائد عبدالله أوجالان…






