مقالات

اللغة والثقافة

الشهيد حسين شاويش

قبل الحديث عن تاريخ اللغة الكردية بشكل مختصر ومفيد؛ أود الإشارة إلى موضوع الوعي التاريخي بصدد هذه اللغة والثقافة. فعندما يرتبط الإنسان بدرجة العشق بشيء ما، خصوصاً إذا كان هذا الشيء معنوياً وميراثاً تاريخياً، فإنه لا بد أن يملك وعياً وإحساساً عميقاً بذلك الشيء. أي عليه أن يملك آلية ذهنية – فكرية منظمة بصدد ذلك الموضوع. انطلاقاً من هذه النقطة، نتمكن من القول بأن الغالبية العظمى من أبناء الشعب الكردستاني وحتى المثقفين منهم، يجهلون تاريخ لغتهم أو يعرفون بعض النقاط العامة والسطحية عنها. لذلك لا يرتبطون بهذه اللغة والثقافة إلى درجة الوعي والإحساس العميق بها. على العكس من ذلك، هناك عقدة نفسية عند الكثيرين من أجل أن يتعلموا اللغات الأخرى (التركية، العربية، الفارسية، الإنكليزية) ويهربوا من لغتهم! لأنهم ينظرون إلى لغتهم وثقافتهم نظرة دونية وسلبية في أغلب الأحيان.

لهذا السبب يتوجب التركيز على تاريخ اللغة والثقافة الكردية والكشف عن خصوصياتها بشكل سليم، من اجل الوصول الى آلية ذهنية – فكرية بصددها. كل المصادر التاريخية تشير وبشكل لا يعطي مجالاً للشك بأن اللغة والثقافة الكردية تنتمي الى مجموعة اللغة والثقافة الآرية (الهورية – الحورية)، التي نمت وترعرعت في مرحلة الثورة الاجتماعية الزراعية – القروية (النيوليتية). الانفجار الاجتماعي الحاصل في هذه المرحلة الزمنية الممتدة الى 12 ألف عام قبل الميلاد، كان بنفس الوقت انفجاراً لغوياً وثقافياً ثورياً. أكثرية القيم المعنوية والمادية الأساسية للإنسانية تم تسميتها في هذه المرحلة بمصطلحات آرية (هورية – حورية). لغة هذه القيم كانت مؤنثة على الأكثر، لأن المرأة الأم كانت تقود هذه الثورة الاجتماعية والثقافية واللغوية الكبرى في تاريخ الإنسانية. تطورت هذه القفزة النوعية اللغوية والثقافية على حواف سلسلة جبال طوروس – زاغروس (أي ميزوبوتاميا العليا). يمكن أن نلتمس الظرافة والرومانسية (سيطرة العاطفة والذكاء العاطفي) والجمال الطبيعي والألوهية الأنثوية للمرأة في اللغة الكردية وثقافتها.

المقالات الأكثر قراءة

لقد اكتسبت هذه اللغة الغنى في المفردات المتعلقة بالحياة (الاجتماعية منها والاقتصادية) من حيث قدرتها على الإبداع في القيم المعنوية والمادية. الرشاقة والمرونة من صفات هذه اللغة. مثلاً عملية الإمالة (Tewang) في الكلمات، وظهور مفردات كثيرة لها معانٍ متنوعة مع كل إمالة من خصوصيات هذه اللغة. مع انتشار اللغة والثقافة الآرية (النيوليتية) في كل أنحاء العالم تقريباً، تحولت الكثير من الكلمات أو المفردات إلى أساس لمصطلحات عالمية مستخدمة حتى يومنا هذا في أكثر اللغات انتشاراً. مثلاً كلمة “ره” أي الجذر في اللغة الكردية هي الأصل في المصطلحات التالية: (Ra-Dikal أي الجذرية، Ra-aksyon أي رد الفعل). كما أن كلمة “كوم” أي مجموعة، في اللغة الكردية هي الأصل في المصطلحات التالية: (Komone, Komonizm, Komûta, Komite, Komûtan, Komple) وإلخ من المفردات التي تلعب دور الأصل والمصدر في كثير من المفردات العالمية (الإنكليزية والفرنسية وما شابه). طبعاً هذا الأمر يحتاج إلى دراسة خاصة، ولكننا ننوه فقط إلى بعض الأمثلة.

إلى جانب قوة المفردات وغناها ورشاقتها وظرافتها ومرونتها، هناك سيل جارف من الملاحم والقصص والفنون الأدبية الشفهية لهذه اللغة قبل ظهور الكتابة. مع ظهور الحضارة السومرية الدولتية المدينية لأول مرة في 3500 ق.م. تقريباً، أي قبل كتابة ملحمة كلكامش، كانت هناك ملاحم وقصص شفهية هيأت الأرضية للملاحم الكتابية في الأساطير السومرية المكتوبة. كيف يمكن أن نثبت أو نبرهن على هذه الحقيقة؟ البرهان والدليل الساطع على هذه الحقيقة هو كثرة المفردات الكردية القديمة (الهورية) في الكتابات السومرية. هذه المفردات موجودة فيما بين سطور كل الملاحم والأساطير التي دونها السومريون. كما إن بعض هذه المفردات انتقل إلى اللغات الساميّة (الأكادية… مثلاً) فيما بعد. مثلاً، كلمة “ستار Star” الهورية تحولت إلى “عشتار Îştar” عند الأكاديين، كما أن كلمة “نينهورساغ Nînhorak” (إلهة الأراضي المرتفعة – إلهة البلاد الجبلية) تحولت إلى “إينانا Înana” في السومرية، وبعدها في الأكادية.

أما كلمة Erd الهورية، فتحولت إلى الأرض في الساميّة. حتى اسم كلكامش مشتق أو مأخوذ من المصطلح الكردي القديم (الهوري) والذي يعني “Gir-Gamêş” أي الجاموس الكبير، لأن كلمة Gir تعني الكبير في الكردية القديمة والحالية، وكما أن Ga تعني الثور. وسمي الشعب الكوتي (Gotî) نسبة إلى هذه الكلمة (أي الذين يحرثون الأرض بالثور). وكلمة Mêş أيضاً تعني الذبابة في الكردية…اللغة الكردية استمرت في تطورها فيما بين المجموعات الهورية (الغوتيين، الكاشيين، الميتانيين، النائيريين، السوباريين، الأورارتيين، ووصولاً إلى الميديين). مع ظهور دولة ميديا في منطقة شرقي كردستان أولاً، وتطورها كنظام كونفدرالي مرن في جميع أنحاء كردستان، فقد تطورت معها اللغة الكردية الشفهية والكتابية بواسطة فلسفة زرادشت ودينه المستند إلى كتابه المعروف بـ”زندافستا Zendavesta”، أي قوانين الحياة. كلمة Zendî أو Zindî أو Zend تعني الحياة أيضاً في الكردية، وكما تعني الحيوية والحركة. وقد يرجع أصلها إلى كلمة Jin أو Jîn أو Jen…اللهجة الآفستاوية ونمط كتابتها تمثل لغة دين وفلسفة النبي زرادشت، وما زال تأثيرها باقياً حتى يومنا هذا.

رغم التأثير السلبي الذي لعبه رجال الدين الإسلامي، إلا أن اللغة والثقافة الكردية حافظت على أصالتها وغناها الأدبي والفلكلوري – التراثي من الناحية الشفهية والكتابية فيما بين القرن العاشر والقرن السابع عشر. في هذه المرحلة تطورت المدارس الدينية ذات الصبغة القومية والتصوفية، وانتشر الشعر الملحمي والقصصي في هذه المدارس. أبرز الأمثلة على هذه المرحلة هي دواوين الملا جزري وفقي طيران وأحمدي خاني وبابا طاهر الهمداني وعلي حريري. لقد تمكن هؤلاء من تحويل الميراث الملحمي الكردي الكلاسيكي الشفهي إلى ملاحم كتابية مثل ممو زين لأحمدي خاني، وزمبيل فروش لملا حسين باتيي، وشيخ سناني لفقي طيران.. كل هذه الآثار تحمل صبغة قومية وفلسفة تصوفية وشاعرية رصينة. لا شك بأن الأدب الشفهي الكردي كان له الدور البارز في المحافظة على اللغة الكردية عبر انتشارها في المجالس القروية الليلية على الأغلب.

لقد لعب هؤلاء الشعراء الشعبيون دور الحكواتي والقاصّ والعارف فيما بين الشعب، وكانوا ملقبين بـي Dengbêj فيما بين الفئات الشعبية العريضة. ومن تلك الأسماء عفدالي زنكي الذي تحول إلى هوميروس الكرد في زمانه. استعمل الكرد ألف باء زندافستا في المرحلة الميدية، وكما استعملوا ألف باء العربية في العصور الوسطى إبان مرحلة انتشار الإسلام. ولكن، علينا الاعتراف بأن الثورة الكبرى الحديثة في هذا المجال حصلت في سنة 1928 عندما قام جلادت بدرخان بك بتنظيم ألف باء الكردية اللاتينية في اللغة الكردية الحديثة. لقد تحول هذا الأمر إلى نقطة انطلاقة لانتشار الأحرف اللاتينية في شمالي كردستان، ونمر بها مع تطور الحركة الأدبية والثقافية التي قام بها جلادت بمجلتي روناهي وهاوار، واستمرت في ساحة غربي كردستان وسوريا ولبنان مع الشعراء والأدباء من أمثال جكر خوين وعثمان صبري وتيريج (Seydayê Tîrêj).

إذا تكلمنا عن أهم مشكلة تواجهها اللغة والثقافة الكردية، فعلينا أن نعترف بأنها تتجسد في عدم المقاومة ضد سياسة الصهر القومي التي تمارسها الدول الاستعمارية، مثل تركيا وإيران وسوريا، من أجل تصفية هذا الميراث الذي يمثل الهوية الكردية الوطنية والقومية. عندما نقول عدم المقاومة، فإننا نقصد عدم الاهتمام باللغة والثقافة الكردية بالدرجة المطلوبة في هذا العصر الذي تسود فيه ثقافة عولمية تخريبية هادفة إلى تصفية كل اللغات والثقافات الأصيلة والتاريخية. لذا، يتطلب منا جميعاً أن نهتم بلغتنا وثقافتنا، وأن نرى هذا الأمر كمسؤولية وطنية تقع على عاتق كل فرد وكل جماعة وتنظيم كردستاني.

 

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى