أخبارالمزيدمقالات

الدولة القومية

فدرسيون جرحى الحرب

أحدُ أهم مصادرِ الأزمةِ في الشرقِ الأوسط، هي تشييدُ الدولِ القوميةِ العربيةِ وإسرائيل بشكلٍ متزامن. حيث استَخدَمَت إنكلترا الشيوخَ العربَ ككبشِ فداء، عندما باشرَت بالتمشيطاتِ العسكريةِ على الإمبراطوريةِ العثمانيةِ بدءاً من مطلعِ القرنِ التاسع عشر.

وبدأَت في شبهِ الجزيرةِ العربيةِ المتواجدةِ جنوبَ الإمبراطورية، والمتسمةِ بموقعٍ استراتيجيٍّ على طريقِ الهند. إذ باشرَت بدعمِ الدولتيةِ القوميةِ العربية، مستفيدةً من مساندةِ الشيوخِ الذين يمثلون قمةَ الهرمِ لعلماءِ الدين المسلمين. وأَحكَمَت رقابتَها طردياً على جنوب المملكةِ الإيرانية. وهكذا، فإنّ المرحلةَ المبتدئةَ بالتمردات، قد استمرّت مع أنظمةِ الانتدابِ بعدَ الحربِ العالميةِ الأولى، لتنتهيَ إلى التشييدِ التامِّ للدولِ القوميةِ مع الحربِ العالميةِ الثانية. وتمَّت تصفيةُ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ في تلك الأثناء، ليتكوَّنَ فراغٍ شاسعٍ في المنطقةِ حصيلةَ ذلك.

ولملأَ فراغَ السلطةِ الناجمَ عن تحويلِ الإمبراطوريةِ العثمانيةِ والمَلَكيةِ الإيرانيةِ إلى دولٍ قوميةٍ صغرى تابعة، وُلِدَت إسرائيل كقوةٍ مهيمنةٍ نواةٍ لهيمنةِ الحداثةِ الرأسمالية، وأُعلِنَ عن الدولةِ القوميةِ اليهوديةِ إسرائيل رسمياً عام (1948)، والتي هدفَت إليها الأيديولوجيةُ الصهيونيةُ المقدسة. وكانت الجمهوريةُ التركيةُ أولَ دولةٍ قوميةٍ تعترفُ بها، وكأنها بذلك تؤكدُ جوهرَها من حيث كونِها إسرائيل بِدئية. وتشييدُ إسرائيل كقوةٍ مهيمنةٍ نواةٍ أمرٌ بالغُ الأهمية.

فهذا ما مفادُه أنه سيتمُّ الاعترافُ بشرعيةِ الدولِ القوميةِ الأخرى في المنطقةِ في حالِ اعتَرَفَت هي بوجودِ إسرائيل كقوةٍ مهيمنة. وأنه في حالِ عدمِ اعترافِها بها، فسيجري تجييرُها وإرهاقُها بالحروبِ إلى أنْ تعترفَ بها. ونظراً لأنّ الجمهوريةَ التركيةَ ومصر والأردنّ وبعضَ دولِ الخليجِ كانت أولَ مَن اعترفَ بإسرائيل، فقد اعتُرِفَ بها دولاً قوميةً شرعية، وأُدرِجَت بالنظامِ القائمِ بناءً على ذلك. في حين لا تنفكُّ الحربُ دائرةً بين إسرائيل وحلفائِها من جهة، والدولِ الأخرى المتبقيةِ من الجهةِ الثانية.

أما الحروبُ والاشتباكاتُ مع العربِ ضمن إطارِ القضيةِ الفلسطينية، ومع البلدانِ الإسلاميةِ الأخرى ضمن إطارِ إشكاليةِ الخليج؛ فهي على علاقةٍ كثيبةٍ بالوجودِ المهيمنِ لإسرائيل داخل المنطقة، إذ سوف تظلُّ هذه الاشتباكاتُ والمؤامراتُ والاغتيالاتُ والحروبُ متأججةً إلى حين الاعترافِ بهيمنةِ وسيادةِ إسرائيل.

من هنا، لن نستطيعَ فهمُ أسبابِ إنشاءِ اثنتَين وعشرين دولةً قوميةً عربيةً بمنوالٍ صحيح، ما لَم نفهم الهيكلةَ السياديّةَ للحداثةِ الرأسماليةِ داخل الشرقِ الأوسطِ بعينٍ صائبة، وأن إدراكَ القضيةِ العربيةِ كما هي في الواقعِ القائم، يتطلبُ أولاً الفهمَ الصحيحَ لموضوعِ بناءِ وتأسيسِ هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ في الشرقِ الأوسط، ولا يُمكنُ اختزالُها إلى مستوى القضيةِ الفلسطينيةِ–الإسرائيليةِ فحسب.

لأنّ أعقدَ وأولى القضايا التي تعاني منها المجتمعاتُ العربية، تنبعُ قبلَ كلِّ شيءٍ من تقسيمِ العربِ إلى اثنتَين وعشرين دويلة قومية. فهذه الدولُ الاثنتان والعشرون لا تستطيعُ الذهابَ في دورِها أبعدَ من كونِها تنظيماً عميلاً جماعياً للحداثةِ الرأسمالية. ووجودُها بحَدِّ ذاتِه يُعَدُّ الإشكاليةَ الرئيسيةَ على الإطلاقِ بالنسبةِ للشعوبِ العربية. بالتالي، فالقضيةُ العربيةُ مرتبطةٌ ببناءِ وتأسيسِ الحداثةِ الرأسماليةِ في المنطقة.

وعلينا ألا نتغافلَ عن أنّ القوى التي شادَت إسرائيل هي نفسُها التي شادَت الدولَ القوميةَ العربيةَ الاثنتَين والعشرين. بالتالي، فتجاذُباتُها وتنافُراتُها مع إسرائيل تتسمُ بماهيةِ التمويه.

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى