معنى الاندماج الديمقراطي

إن مصطلح الاندماج يقوم، من حيث التعريف، على دمج عناصر أو مكوّنات مختلفة بعضها ببعض. ورغم أنه، في معناه الأصلي، لا يفرض الانصهار أو الإذعان، فقد جرى توظيفه في إطار النظام الرأسمالي بوصفه عملية اندماج الضعيف في القوي، وخضوعه له، وتلاشيه في داخله. ولقد أصرّ النظام الرأسمالي على استخدام مصطلح الاندماج بمعنى إذابة الاختلافات داخل بوتقته الخاصة. ولهذا السبب، فإن سماع هذا المصطلح يثير القلق.
إن مصطلح الاندماج مأخوذ من الكلمة الفرنسية integration التي تعني “الاتحاد” أو “التوحّد عبر الانضمام المتبادل”. أي أنه يدل على عملية التلاقي والاندماج بين الأطراف المختلفة. أما العبارات التي انتشرت بعد التصريحات الأخيرة للقائد آبو، مثل “سيُصهرون” أو “إنها بداية عملية الانصهار”، فهي أقوال ناتجة عن سوء نية من بعض الأفراد أو الهياكل.
إن مفهومي الانصهار والاندماج مختلفان جوهرياً. فمع أن النظام الرأسمالي يسعى إلى توظيف مصطلح الاندماج وفق رغبته، ويحاول في بعض الأحيان تعريفه بمعنى ستار الانصهار، إلا أن المصطلحان لا يشتركان في الجوهر، فمها مختلفان. والانصهار يقوم على محاولة فرض التوحّد على مجتمعٍ ما أو على مجتمعات أخرى، وفرض ثقافة واحدة باعتبارها النمط المرجعي، وجعلها تابعة له. أما الاندماج، فهو على العكس من ذلك، يعني تعايش الأفراد والمجتمعات المنتمية إلى ثقافات وانضباطيات مختلفة معاً والتوحّد في بوتقة واحدة.
ففي العالم الجديد الذي تلاشت فيه الحدود، أصبح البشر أكثر تواصلاً وتفاعلاً مع بعضهم البعض، أو يضطرون إلى الانتقال بسبب أسباب مختلفة مثل (الحرب والاضطهاد، والأوضاع الاقتصادية وغيرها)، حيث أن المصطلحان الدمج والاندماج، اللذين تم التأكيد عليهما كمصطلح سياسي، إذا ما استُخدما ضمن خط سياسي صحيح، يمكن أن يشكلا نقطة انطلاق لتحقيق التشاركية في ظل شروط وإمكانات هذا العالم الجديد. وسواء كان الفرد أو المجتمع، عند الانتقال إلى مكان ما، يُعرف الاندماج بأنه عملية التكيف مع ذلك المكان، وبناء حياة جديدة هناك بشكل مشترك مع الحفاظ على ثقافته الخاصة. وهذا هو الحال في عالمنا المعاصر حيث تزايدت الهجرات. فالثقافات المختلفة تلتقي في نفس الجغرافيا وتسعى لإقامة حياة مشتركة. ونظراً للسلوكيات السياسية التي تتشكل وفق مصالح الدول القومية، قد تظهر أخطاء في نهاية المطاف، إلا أنه، كما أشرنا أعلاه، فإن توظيف هذا المسار ضمن خط سياسي سليم وصحيح سيكون الخطوة الأولى نحو تحقيق تطورات مهمة. وهذا الخط الصحيح، كما عرّفه القائد آبو، هي في الواقع عملية الاندماج الديمقراطي.
يشير مصطلح ”الدمج“ إلى مشاركة وانضمام الفرد في المجتمع؛ أما مصطلح ”الاندماج“ فيعني وجود مجتمع داخل مجتمع آخر في ظل ظروفه الخاصة. ومن أجل تحقيق ذلك، يجب صياغة القوانين والشروط الخاصة بهذا التلاقي بسرعة، واتخاذ الخطوات اللازمة وفقاً لذلك، بحيث تتيح تفاعل المجتمعين مع بعضهما البعض وتشمل كلاهما. ففي العصر الحالي، يُراد استخدام هذه القوانين وخطوات الاندماج داخل الدول القومية بأسلوب يحقق “إخضاع وسحق الضعيف للقوي”، حيث يُفرض من المهاجرين التخلي عن ثقافاتهم والانصياع للثقافة السائدة. ولهذا السبب، يجري فرض الانصهار. وعلاوة على ذلك، فإن جوهر الحركات الفاشية التي تكتسب قوة في يومنا الحالي من خلال الخطاب ”المناهض للمهاجرين“ يكمن في فكرة رفض قبول العيش المشترك، بحيث تلجأ الدول القومية إلى هذا الأمر بشكل متعمد. يستخدم الحكام والدول هذه الأدوات القسرية ليس للتعايش مع مجتمع مختلف، بل لدمجهم في داخلهم وتحويلهم إلى عبيد. وتسعى السلطات الحاكمة والدول، بدلاً من التعايش مع المجتمعات المختلفة، إلى إذابتهم ضمن بوتقتها الخاصة، وتحويلهم إلى عبيد، مستخدمين في ذلك وسائل القسر والإكراه.
قوانين الاندماج والاندماج الديمقراطي
في عالم اليوم، في أعقاب الهجرات الناتجة عن الحروب التي خلقتها وأدامتها الحداثة الرأسمالية لمصالحها الخاصة، جرت محاولات لتحويل قوانين الاندماج هذه إلى أداة للانصهار. وبُذلت جهود لفرض الأفكار الخاصة على الأفراد والشعوب والمجتمعات الذين أُجبروا على الانتقال من المناطق التي مزقتها الحروب إلى مناطق أخرى، في محاولة لتحويلهم إلى عبيد. وتقوم قوانين القمع والمقاربات الفاشية المفروضة على المهاجرين واللاجئين أساساً على محاولات الاستعباد هذه. ففي الشرق الأوسط، وبشكل خاص في فلسطين وسوريا والعديد من المناطق الأخرى، وكذلك في كردستان، يضطر الناس الذين هُجّروا نتيجة الحروب إلى مواجهة عقلية مفاده: “إما أن تعيشوا وفق ما نقرره نحن، أو تتعرضوا لقمع البنى الفاشية التي قمنا بتقويتها وسمحنا بها، أو تعودوا إلى أراضيكم التي أصبحت فيها الحرب والموت أموراً طبيعية”. ونظراً لهذه الضغوط والإملاءات فإن المجتمعات التي لجأت إلى البلدان المستضيفة، تحولت إلى مجتمعات منغلقة على نفسها، مما أدى إلى عزلها عن طريق إبعادها عن فكرة الحياة المشتركة. وهذا العزل هو بالضبط ما يرغب فيه النظام الرأسمالي، لأن السيطرة على المجتمعات المعزولة والمنفصلة تصبح أكثر سهولة. أما العيش المشترك، فهو بحد ذاته يقود إلى ترسيخ وتنظيم حياة مشتركة ومتكاملة.
في حين، تدرك الدول القومية والأنظمة التي أوجدتها جيداً أن الاندماج لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال الشعور بالمسؤولية وتقارب القيم المشتركة بين المجتمع المهاجر والمجتمع المستضيف.
وإذا قال الإنسان، اقتباساً عن لينين: إن “الرأسمالية تغيّر كل شيء صحيح وفق مصالحها، وتبيع ما تعتبره صائبًا”، فإن هذا يعني أنه لا يوجد قانون للاندماج داخل الرأسمالية، بل هو مصطلح تحاول الرأسمالية استثماره وتعديله بما يخدم مصالحها.
يقوم النظام الرأسمالي بتحريف قوانين الاندماج بعيداً عن معناها وتعريفها الحقيقي وفق مصالحه الخاصة. ومع ذلك، هناك بعض الممارسات العملية حول العالم التي تسعى لتطبيق قوانين الاندماج بشكل صحيح. ففي العديد من مناطق العالم، تم تطبيق قوانين الاندماج من قبل بعض الجهات بشكل صحيح، ومع ذلك، لم تتجسد التجارب العملية للعيش المشترك بين المجتمعات المختلفة بالكامل. فالاندماج ليس مجرد تعريف يُقال عنه: “لقد فعلنا ذلك، وقد تحقق خلال فترة معينة”. عندما يكون قانون ما في صميم الحياة ودائماً، وعندما يُنظّم بشكل صحيح، فحينها يُمكن تنفيذه وتطبيقه.
ما هي معايير الاندماج الديمقراطي؟
إن معيار الاندماج الديمقراطي يحدد خطوة مهمة لا يمكن تركها لتقدير الدول القومية وحدها. ففي هذا السياق، يجب استخدام القانون لمنع انصهار مجتمع داخل مجتمع آخر وذوبانه. ولهذا السبب، لا يمكن ربطه بمصطلح أعدته الحداثة الرأسمالية بما يخدم مصالحها الخاصة. هذه القوانين، التي توجد لها أمثلة أيضاً على مستوى العالم، تُعتبر بمثابة الركائز الأساسية لنظام كونفدرالي.
لذلك، تُعد القوانين المتعلقة بالاندماج الديمقراطي ذات أهمية بالغة ولا يمكن تركها بيد أصحاب القوة فقط. ومن بين الأمور الأساسية التي يجب تضمينها في قوانين الاندماج الديمقراطي ما يلي:
– يجب اعتماد نهج قائم على حقوق الإنسان.
– يجب التوصل إلى توافق حول القيم المشتركة.
– ينبغي حماية هوية الأفراد والمجتمعات، ودينهم، وممارساتهم الثقافية في مواجهة الانصهار.
– يجب مراعاة مبدأ تكافؤ الفرص، بحيث لا تكون أي مجموعة أقوى من مجموعة أخرى.
– من خلال قوانين الاندماج الديمقراطي، يجب تحقيق تشاركية في الحياة اليومية ومنع مخاطر التهميش والتمييز في الحياة الاجتماعية.
– يجب أن تُطبق قوانين الاندماج بسرعة وبطريقة صحيحة.
– ستسير قوانين الاندماج الديمقراطي على نحو صحيح عندما يُدرك الأفراد أنهم جزء من المجتمع الذي يعيشون فيه، ولا يجري تمييزهم. هنا، إذا كانت هذه القوانين موجودة داخل الدولة القومية، يجب على من هم في مواقع السلطة أن يمتنعوا عن اتباع سياسات التمييز وألا يمنحوا أي إذن لتنفيذها.
في عمليات الاندماج الديمقراطي، عندما لا يُنظر إلى المجتمعات في مناطقها على أنها “مختلفة”، وتشارك بشكل صحيح في الحياة الاجتماعية، يمكن عندها إطلاق أولى خطوات التشاركية في الحياة اليومية. إن التشاركية والعيش المشترك بحرية، كما يقول القائد آبو، تمثل مدخلاً للإجابة على أهم سؤال للثورة، السؤال المتمثل في كيف يجب العيش؟






