أخبارالمزيدمقالات

ليس لأحد الحق في إبعاد أطفال كوردستان عن لغتهم الكردية

ريزان ماسيرو

مما لا شك فيه أن تمايز واختلاف المجتمعات عن بعضها البعض يتحقق بفضل اللغة. بعبارة أخرى، اللغة هي عملية الأيض للمجتمعات أو الشعوب، وبها تظل قائمة على أقدامها. عندما ينسى الإنسان لغته، فإن وجوده وانتماءه المرتبط بها يصبحان في خطر. حينها يصبح غريباً في جوهره عن مجتمعه، ويتحول إلى شخص ينتمي للمجتمع الذي يتحدث لغته. وبالفعل، فإن القوى المهيمنة والمحتلة، من أجل إبادة شعب ما، شنت هجوماً رئيسياً على لغة ذلك الشعب بالتزامن مع الهجمات الجسدية.

 

وفي هذا الصدد، فإن المثال الأبرز هو وضع الشعب الكردي. عاش الشعب الكردي، بموجب معاهدة لوزان، في بلد مقسم إلى أربعة أجزاء، وفي كل جزء كانت تُمارس سياسات مختلفة؛ لكن المحرك الأساسي لها جميعاً كان قائماً على الإبادة والصهر. فبعد المجازر التي ارتكبت بحق الشعب الكردي، بدأ الهجوم أولاً على اللغة. وكان المحتلون، في مدارسهم، يجبرون الأطفال الكرد على تعلم لغاتهم الرسمية. وهذه السياسة بلغت ذروتها في الجمهورية التركية، حيث يكرر المسؤولون دائماً شعارات وكأنها آيات مقدسة: “دولة واحدة، لغة واحدة، أمة واحدة، علم واحد”، ومع مرور الوقت يضيفون وحدات أخرى، فكان مستوى الهجوم على الشعب الكردي لا يحد ولا يحصى.

 

لقد طرحت الدولة التركية، عبر بعض من تسميهم خبراء ولغويين، نظريات مثيرة للاهتمام -ربما هم أنفسهم لم يؤمنوا بها- إلى العلن.

ثم بدأوا بتنفيذ قصف فكري غريب لدرجة جعلت الشعب الكردي يخجل من التحدث بلغته. وكان المسؤولون والشرطة والجنود المكلفون في كوردستان يمارسون ضغطاً غير محدود على الناس ليتحدثوا بالتركية. وبحق الأشخاص الذين لا يعرفون التركية، كانت هناك ممارسات مهينة وتعذيب وحشي.

لذلك، كان تعلم اللغة التركية بالنسبة للكثيرين هو السبيل لإنقاذ أنفسهم من الضغط والتعذيب والتحقير. وكان معلمو المدارس يوصون الطلاب بعدم التحدث بالكردية حتى في منازلهم. ولكي يصبح المرء “متمدناً”، كان يُجبر على التخلي عن الكردية، وتعلم التركية، والتحدث بها قسراً في كافة مجالات الحياة.

 

ومع تطور حركة حرية كوردستان، عاد الشعب الكردي مرة أخرى إلى حقيقته وجوهره، وحطم ذلك الجدار الذي وضعته الدولة التركية أمام لغته. ومما لا شك فيه، في يومنا هذا حيث وصل الشعب الكردي إلى مرحلة الحرية أكثر من أي وقت مضى، تظهر ظاهرة غريبة في بعض الشخصيات الذين، رغم معرفتهم بلغتهم الأم “الكردية”، يصرون على عدم التخلي عن التركية. ووفقاً للأبحاث العلمية، فإن عقلية “التشبه بالسيد” تبرز لدى بعض الأشخاص. أي أن التحدث بلغة السيد وتقليد حياته يُقبل لدى الأشخاص الذين عاشوا سنوات تحت الاحتلال كوسيلة للهروب من أجواء التبعية.

 

ليس لأحد الحق في إبعاد أطفال كوردستان عن لغتهم الكردية وتعليمهم لغة أخرى. وبالمثل، فإن التحدث بلغة المهيمنين في أي منصة للمجتمع الكردي رغم معرفة اللغة الأم، هو خزي كبير أمام الأمهات الكرديات.

يتم استقبال يوم 21 شباط، اليوم العالمي للغة الأم، في كل مكان يعيش فيه الكرد ببهجة وحماس كبيرين؛ ففي فجر حرية الشعب الكردي، من الشرق إلى الغرب، ومن الشمال إلى الجنوب، تعد الألوان والكلمات الكردية بشرى للشعب الكردي.

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى