أخبارالمرأةمقالات

(2) إفلاس الذهنية الذكورية مقابل الذهنية الكونية

شردا مظلوم

في تفسير كهذا للكون لا يمكن التحدث عن الإرادة الحرة فيه ،وما يمكن الحديث عنه هنا فقط هو القدرية العلمية . فقد تكون هناك قوانين خاصة بالكون، كما لايمكن تشبيه الكون والإنسان بنظام آلة أو ساعة ما. فإن كُنتَ مُراقبً جيد للحياة، فإنك سترى أن كل شيء لايبقى على حاله وفي مكانه. بإختصار كل شيء دائم التغيير وبإستمرار. يجب معرفة إن كل الكائنات والموجودات في الكون تكون في حركة وتغيير وتناقض مستمر دون أن ينفي أحداها الآخر فهي في حاجة للتنوع والإختلاف المستمر . هذا ما يجلب معه الوعي والشعور بالمعنى الحقيقي للحياة. كل الأنظمة الإجتماعية الراهنة والأنظمة التي ستظهر ذو قابلية لإحتواء لبعضها الآخر. وإرتباطاً بهذا فإن المجتمع الهرمي يستمد قوته من المجتمع الطبيعي. فالمجتمع الهرمي يكبر بتناقضه مع المجتمع الطبيعي وهكذا يتطور. يكبره وتطوره لا يعني بأنه ينهي وينفي المجتمع الطبيعي . فمع الوصول الى المجتمع الطبقي اليوم ، هذا لا يعني بأن المجتمع الطبيعي والمجتمعات اللاحقة فقدت قيمتها وخصوصياتها وقد إنتهت وزالت من الوجود . فتأثير المجتمع الطبيعي مُستمر حتى بعد مرور ألاف السنين و لم يفقد فعاليته ولا يمكن القول بأنه بقي على هامش الحياة والأحداث ، فبالرغم من أن القيم العائدة لهذا المجتمع غيرت وحُورت و أُبعدت عن جوهرها، حافظت على بقائها كقوة تهديد دائمة لنظام الحضارة الهرمية . وأكبر مثال على هذا هو شوق المجتمعات المسحوقة إلى الاثنية . قد تكون بعض قيم المجتمع الطبيعي سُحقت أو حتى أنها تركت مكانها للقيم الهرمية، ولكن جوهرها لم ينهزم بعد. وهذا ما يشبه قانون حماية الطاقة . فقانون حماية الطاقة يُعرف من قبل الفيزيائيين بأن أي ثقل ما سواءً كان سلبياً أم إيجابياً لا يمكن إفنائه . فأي كمية من الطاقة حتى وإن كانت صغيرة لم تُخلق من العدم ولا يمكن إفنائها.فالمادة – الطاقة فقد تخلق من العدم ولكنها لا تفني الموجود. لا يمكن إفناء الخلية النواة والجذر للمجتمع الطبيعي أبداً.

ولهذا فالمجتمع الهرمي الدولتي لا يمكنه أن يتشكل بإفنائه للقيم السابقة له أو للنظم الأخرى . وبالأحرى ما هو موجود لا يمكن أن يُفنى . لذا فإن أردنا تحليل النظام العالمي يجب أن نستند إلى الخلية النواة للمجتمع الطبيعي. وهنا يكمن لغز إخفاء وإنكار أسباب ومصادر تشكل المستوى المعرفي أو المعلوماتي في يومنا . فالبنية المعرفية الحالية الآن تطور أبحاثها على ما تم إنكاره وإخفائه من الحياة الإنسانية والتي تُقدر 98% من عمر الحياة الإنسانية. إن إعتبار هذه الفترة الطويلة من عمر الحياة الإنسانية غير موجودة والتنكر لها وكأنها لم تُعاش يُعتبر إجحاداً بحق الإنسان وإنكار ديناميكياته الجوهرية . كما لا يوجد ضمن هذه البنية وهذا التكوين المعرفي أي مكان يُذكر للمرأة . فبالرغم من التطور والبحث في كل المجالات تقريبا ً، إلا أن موضوع المرأة لازال قضية لم تُمس بعد ، بل أنه موضوع يُخاف منه . لأن المسّ بموضوع المرأة يعني هز البنية الذهنية للنظام من جذوره. في الآونة الأخيرة يجر ناقش حول عمر النظام العالمي، هل هو خمسة آلاف عام أم أنه خمسمائة عام . وهنا علينا النظر الى النظام العالمي بشكل شامل ، اذ انه إن حللَنا النظام العالمي بدأً من عام 1492 م أي منذ إكتشاف القارة الأمريكية أو بعد تطور الرأسمالية ، سيبقى التحليل ناقصاً جداً. يمكننا القول إنه بعد هذا التاريخ إمتدت الحاكمية إلى الغرب بينما عاش الشرق الإنحطاط . اذاً إن ما تغير هنا هم الحُراس فقط .عند تحليل النظام العالمي علينا ان نقوم بتحليل سليم للفترة التي نسميها بمرحلة الانتقال من المجتمع العضوي إلى المجتمع الميكانيكي ،عندها سيتم تكوين بنية معرفية سليمة وصحيحة. فانعدام التحليل السليم لهذه الفترة ،خاصة وإن النظام العالمي يمر بأزمة ، سيؤدي الى دفع الحركات المناضلة إلى أزمة خانقة .فمن يناضل ضمن هذه الأزمة ، يجب أن يعرف إن هذه الأزمة ليست بأزمة مرحلية ، بل إنها أزمة بنيوية . ان هذه السلسلة من الأزمات التي يعيشها النظام العالمي والمفكرين الذين يعايشون النظام والعاملين فيه ، أي العقل التحليلي ، تحولوا بذاتهم ليصبحوا سبباً لأزمة العلوم . فالبنية المعرفية هذه ولأنها إستندت إلى السلطة بدل الحرية ، لذا بدلاً من حلها للمشاكل شاركت بتعقيدها وتسخيرها لخدمة النظام . ولهذا إن رُغبنا التخلص من الأزمة الحالية فيجب إن نَُخلص الأبستمولوجيا من الأصفاد الذهنية التسلطية الحاكمة .

هنا إن سمة الإنسان المكملة أو التكاملية وقوة الإدراك لديه القابلة للتأقلم لإتخاذ الأشكال وقوة تحليل العقل لديه إنها هامة جداً لاحتمال تشكل الحرية وتقويتها. ولكن بالرغم من هذا أي بالرغم من ان العقل ذو خاصية التكاملية لدى الإنسان ولكنه لا يعني انه عالم او عارف مطلقي او مطلق يعني لا يقصد بأنه العارف والعالم. ان عقل الإنسان يتكون ويُفهم ويتوعى من خلال تكوين المجتمعية وهذا بالطبع يعني ان العقل يتكون بالمجتمعية. سابقاً العقل العاطفي لدى الإنسان كان في المقدمة فيما بعد دخل الخط العقل التحليلي وأصبح في المقدمة. فالعقل التحليلي يفتح الباب للحضارة . فالعقل العاطفي إن هطل المطر فان ردة الفعل قوية لديه قوية حيث يتم الركوض الى صخرة للاحتماء بها من المطر ولكن ليتم الاحتماء منه ولتشكيل ابسط أنواع المأوي فانه العقل التحليلي يكون هو المُدير في هذه الحالة. الحقيقة هنا ان الذكاء العاطفي كان ويكون هو المؤثر في الحياة الاجتماعية .ولكن هذا لا يعني ان العقل العاطفي أنكر العقل التحليلي هنا. وفيما بعد انقطاع العقل التحليلي عن الأخلاق والعواطف في الحضارة تسبب بانحرافات كثيرة وعميقة. فالإكذوبات والخداع الجاري باسم العقل التحليلي للإنسانية بدأت بخطوها خطواتها الأولى على طريق من بناء مأوى ومن ثم شهد العقل جعله مركز طاقة النووية ومخزن للأسلحة وقصف الأحياء بالقنبلة النووية.

إن تعريف خاصيات الإنسان وتحليل قوة الإدراك المرنة لديه وقابليتها لإتخاذ النماذج الأشكال المتنوعة ، يتمتع بغاية الأهمية، ًذلك لتقوية ظاهرة الحرية . وبالرغم من أن العقل خاصية يُعرف بها الإنسان ، فهذا لا يعني بأن الإنسان هو العالم المطلق بكل شيء. فعقل الإنسان اكتسب وتطورت قدراته التفكيرية وقدراته طردا مع عيشه المجتمعية ومن خلال تطور المجتمعية . ففي مرحلة ما كان العقل العاطفي أو الذكاء العاطفي في المقدمة لدى الإنسان ، ومن ثم تقدم العقل التحليلي عليه. ليفتح العقل التحليلي الباب أمام الحضارة. ان العقل العاطفي يعمل وفق ردة الفعل ، فإن هطل المطر تكون ردة فعله هو الركوض تحت صخرة و الإحتماء بها من المطر الهاطل، ولكن كي يتم انتقاء الشكل الأفضل والأنسب للمأوي فإن العقل التحليلي يتدخل ويكون هو المُدير للأمر في هذه الحالة. الحقيقة إن الذكاء العاطفي كان ولازال المؤثر الرئيسي في الحياة الإجتماعية ، ولكن هذا لا يعني نفي دور للذكاء التحليلي هنا . ولكن ان إنقطاع العقل التحليلي عن الأخلاق والعواطف والشعور في عصر الحضارة تسبب بإنحرافات كبيرة وعميقة . فالإكذوبات والخداع الجاري باسم العقل التحليلي خطت خطواتها الاولى في بدايةً الامر بدأَ من بناء مأوى ليشهد العقل في نهاية المطاف إنشاء مراكز الطاقة النووية ومخازن للأسلحة المُدمرة وليقوم في النهاية بقصف وقتل الأحياء بقنابله النووية.

ولكن هنا يجب عدم الإنزلاق إلى أن العقل خاصية يتمتع بها الإنسان فقط . أي يجب عدم السقوط في موضع الإنسان الضيق و المُتأطر . فتناقض الإنسانية مع العقل الكوني يعتبر من أفظع الأخطاء التي وقع فيها الإنسان والتي أدت إلى نظر الإنسان لذاته على أنه فوق كل الأحياء والكائنات الكونية الأخرى ، مما أدى الى تكون ذهنية استعمار الإنسان للمحيط الكوني ، والنظر إلى الكون على أنه شيئ ،أي نشوء ظاهرة تشيئ الكون، تبعا لنظام استعماره والنظر إلى المحيط على أنه غير حيوي . للعقل التحليلي ولغة الرموز والترميز دور هام في إطالة عمر النظام الرجولي وإستمراريته إذ إنه يُشرع ويُقونن مصادره وتطوره عبر تلك الوسائل. فوسيلة اللغة من أهم وسائل الضغط التي تجعل القمع أمرا مشروعا ً. الفترة التي كانت الإنسانية تتعامل وتتفاهم عبر لغة الإشارة كانت تلك الفترة فترة التأثير الواسعة للعواطف والمشاعر على العقل . وبالرغم من قبول تطور لغة الرمز على أنها ثورة كُبرى ، إلا أنها و كما يقول فريدرك نيتشه:” إن الكلمة أُبعدت عن الشيء وقُللت العواطف فيها، وهكذا جعلت الكلمة من دون أية شخصية وأصبحت الكلمة طارئة ومجردة”. كانت تجتاح قلوبنا في المجتمع الطبيعي وعاصفة جياشة تشجعنا أكثر للتعامل مع الطبيعية والكائنات الأُخرى عليها .مجتمع لم تُسمى بعد عواطفه و لا تنوعه . كانت الحرية تُعاش من العمق كعيد يتقد لهيب نيرانه شرارة بشرارة ، كانت حياة مفعمة بغبطة العيد . طراز العلاقات المتجذرة في حياة كهذه ومستوى الإستيعاب لمعانيها لا يمكن قياسها بيومنا الراهن . فالإنسان الذي كان يحيا في زمان شاعري ويشعر بالآخر ويحيا كل شيئ في حياة ذات معنى ، كان في الوقت نفسه صاحب حياة كبيرة . وقد رأى المفكر الفوضوي جون غوريون: “إن الفرد المُعرض لعاصفة المشاعر والعواطف السابقة لحداثة اللغة كانت حياته ذات نظام أو إنتظام مؤثر وفعال وتتمتع حياته بحاكمية كبيرة ،هذا ما كان ضرورة كبرى له” . إن تطور العقل التحليلي أعاق توسع الحياة ، وأصبح سبباً لإنتهاء المعنى فيها أو إنتهاء معنى الحياة . في الحقيقة إن فترة حاكمية الكذب والرياء كانت فترة الإبتعاد عن الأخلاق والحياة الحرة .

فأول الإكذوبات كانت نتاجاً للعقل الرمزي ، فكلما تطورت الحضارة كان العقل التحليلي يُرسخ ويُجذر ذاته ويؤسسها ويصبح كأمر لا مفر منه . فإن لم يقوى البناء الإجتماعي ويغنى ، فإن العقل المُستخدم يُصبح بحد ذاته غاية أو هدف . ويتحول الإنسان ليصبح سيدا وحاكما على الطبيعة وجميع ما عليها . فالنظام الحاكم يُجبر على أن يستند على الثوابت والمطلقيات لأنه لايُترك أي مجال لأي تهديد عليه مهما كان صغيراً وبسيطاً . هذا المفهوم ينعكس على الكلمات واللغة المستخدمة أيضاً. فمن ينسحبون إلى الزوايا ويعيشون على جهود غيرهم يُقال عنهم بأنهم إستخدموا عقولهم . ، ومن يتوحدون مع النظام يقال عنهم بأنهم إستخدموا عقولهم ويعرفون ما هو عملهم ويلعبون وفق قواعد اللعبة. أما الذين يعملون بصدق واخلاص فيقال عنهم غير عاقلين . هكذا هو عصرنا عصر الحداثة الراسمالية .! فالعصر الذي نحياه أنهى تدفقه في مجراه الطبيعي وفقد توازنه . البنية المعلوماتية التي شكلها هذا العصر أبعدت الإنسان عن الأخلاق والحرية . وهذا ما يفرض تجديد وبناء تكوينة لأنماط الفكر من جديد وترسيخها وتأسيسها من جديد. لا يمكن الوصول الى الحرية ما لم تّعرف بعمق وبشكل سليم مرونة البنية الذهنية للإنسان ، وما لم تُحلل البنى المعلوماتية أو التي يُقال عنها بأنها معلوماتية . لأنه لا تتحقق المشاعر الحرة والإختيار السليم إلا بمعرفة البنية الذهنية ، وتمرير البنى المعرفية الموجودة في مصفاة العواطف. وهذا ما يعني إن البُنى المعرفية ليست فقط للمعرفة ، بل لأجل أن تُعاش أيضا ً. فمعنى الحياة يكمن في المعاني التي تُعطى للحياة. فإن لم يخرج الفكر الإنساني وجسده وقلبه الى العيان ، عندها هذا يعني ان الحياة تكرر ذاتها وفي تكرار دائم و ميكانيكية دائمة ، وهي حالة من الحياة الحفظية ويكون شكلها ربوتي أي آلي . لا يمكن أن تكون حياة إنسان ما ذات معنى إن لم تجعله يتذوق ذاك الشعور بالغبطة اتجاها ،وإلا فإنها تفقد معناها و تبصح عبئ على كاهل الإنسان وهذا في جوهره يعني اللامعنى .

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى