
كل الأحياء الموجودة في الكون من ضروراتها التنوع والإختلاف في بنيتها الفيزيولوجية. ولكن الى الآن لم يتم تَعريف ماهية مصادر هذه الظواهر النابعة من عقلية الكون اللامحدودة وعقل الإنسان المحدود الأفق . فقد عرّفها البعض بأنها المادة بحد ذاتها والبعض الآخر بأنها الطاقة وآخرون بأنها الاله…الخ . إعتقد و آمن الكثير من الفيزيائين بفكرة أن الأحياء ذات شعور باطني و هذا ما يتكون نتيجة معرفة ذاتية لذاتها . ولكن لايمكن تحديد هذا التكوين بأنه معرفة تلك الأحياء لذهنيتها ضمن شروط زمكانية محددة. كل التكوينات الكونية إنما هي تعبير عن الحركة الموجودة في عالم ما تحت الذرة أو جزيئات الذرة. الحركة الموجودة في عالم الكوانتوم وهي عنصر تبين وتظهر جوهر التنوع والاختلاف في جميع الكائنات وكإحتمال كبير فإن الإنسان يعتبر مكرو كوني للماكرو “الكون ” وخاصة بعقله أي هو عقل مكرو كوني. فالإنسان هو جزء من الكون ، وهو متكون ضمن هذا الكون . إذاً فالإحساس الكوني اصبح عُرضة للكثير من المشاكل الإنسانية الإجتماعية. الذهنية أو عقلية الإنسان – عقلية الرجل ، عندما وضعت ذاتها ورات ذاتها في الأعلى قامت بالتنكر لعقلية الكون ، وإرتباطا بتاريخ الحضارة التي قامت بالتحول ولكن وبدلاً من أن تكون حلاً للمشاكل وتجميل الحياة تحولت الى عقدة كأداء ومشكلة بحد ذاتها. من دون أي شك ان تطور عقل الإنسان والمستوى العالي لذهنه ومرونته وقوة انفصاله عن المجتمعية يعتبر مرحلة تحول هام. ولكن يجب عدم النسيان بان انقطاع مرونة عقل الإنسان ومستوى الحركة اللامحدودة فيه وقوة هروبه من المجتمعية او الضغط وإستثمار العواطف المكثفة في هذه الحالات ، فإنها معرضة للإنحراف في كل اللحظات.
فبدلاً من أن يستخدم الإنسان قوته في الوعي المتزايدة تصاعدياً وإختلافه عن الكائنات الاخرى لزيادة قوة مجتمعية واغنائها، قام برفع ذاته الى مستوى فوقي مع الكائنات الحية الاخرى وجعلها وسيلة لتنشئتها واستخدامها، وترسخت حياة مرتكزة على الإنسان وفق لنظرته الفوقيع عن الكون والمجتمع المحيط به . هذه الذهنية المتكونة على الانا المركزية أصبحت سبباً لظهور ثنائيات مثل المادياتية –الذاتانية، حي – جامد، عواطف- عقل، ميتافيزيقي- ديالكتيكي، ….الخ في تكوين البنية الاجتماعية . وبمقدورنا الزيادة من ذكر هذه المعادلات التي اصبحت في وضع لايمكنها الاستمرار به وباتت تشكل وخطر دائماً في عصر الحداثة الرأسمالية . وإرتباطاً بهذا نرى ان البنية المعرفية الموجودة لم تمس أو تتعرض لهذه الثنائيات ،بل أنها عمقتها وتسترت عليها وابعدتها من على طاولة النقاش . بالطبع هذا لا يعني بأنه لم تظهر مقاومة ضد النظام الذكوري أو إنه قُبل تلقائياً أو لم تُحاول اليوتوبيا خلق مجتمع بديل . فقد حاول الكثير من المفكرين والثوريين الخروج عن حدود الزمان والحياة التي يعيشونها ولكنهم لم يتخلصوا من البقاء على هيئة انسان ذاك العصر . فقد تقاسموا بقسم كبير في زمنهم عالم المعرفة مع قيادي ومفكري عصرهم. وبالرغم من أنهم وعن نية حسنة تحولوا في الأوقات التي ناهضوا النظام التسلطي وإنزلقوا بين مسننات عجلة النظام ، فإرتد عليهم فتشبهوا به بسرعة كبيرة ومن دون أي قصد في التقليد ، كما لم يتخلصوا من الإرتزاق من النظام ، أو إنهم إنغلقوا على ذاته ، و لم يتجاوزا حدود البقاء دوغمائيين أو كحركات مذهبية منطوية على ذاتها . إن الحركات المناهضة والهادفة الى زحزة النظام العالمي ونظامه المعلوماتي أو التوعوي الذكوري من جذوره ، كل هذه الحركات المناهضة للنظام لم تحلل بنية التسلط الذكوري بشكل سليم ولم تتخلص من إستخدامها طراز ووسائل ومصادر النظام نفسه ، كما انها لم تُبدع وسائل جديدة مغايرة لطابع النظام . هذا ما أفسح المجال لتقوية النظام الذي يتم مناهضته وحتى بإمكاننا القول بأنها نقلت المياه الى رُحى النظام. فالتحليلات الماركسية بصدد سلطة الدولة ووضع سلطة البروليتاريا مكانها. وتشيئ الطبقة العاملة، والمعاني الحاملة للتطور والتقدم، أثبتت أن الماركسية كانت ناقصة في تحليلها للنظام وتعريفها للمشاكل والقضايا الإجتماعية. فالبراهين والأنماط المُستخدمة وقوالب الحياة بإسم الإشتراكية العلمية جعلتها تُصبح عائق كي تحقق تجاوزها لزمن وجوهر الحياة التي يتم عيشها. وهذا ما كان سبباً لتكون شكل من صياغة قالبية للوقائع الإجتماعية والتاريخية في الوقت الذي كان يجب ان يتم فيه تحليل النظام .
بالطبع إن البُنى الإجتماعية والحقائق التاريخية كلها تتكون عبر أنظمة ديناميكية، ولا يوجد في تكوينها أو شرط وجودها أية حتمية أو اجبارية بأن تتطور وفق خط مستقيم ليكون ذلك حقيقة لها. فالتغييرات الإجتماعية والتاريخية تتحقق في كثير من الأحيان ضمن واقع التقدم والتراجع معاً أي لاتتحرك وفق حقيقة واحدة أو أنها لاتكون في توافق وإنسجام في كل المناطق. ولهذا السبب كما و لأسباب أخرى فإن التغييرات التاريخية والإجتماعية لا تتغيير وتتحول على نفس النمط والشاكلة، لأنها في تغيير دائم فأحياناً تكون سريعة وأحياناً أخرى بطيئة وأحياناً في الإتجاه المُعاكس وأحياناً تظهر على شكل تراجع وإنحلال وفي أحياناً أُخرى كتقدم . في الحقيقة و كما تظهر في التحولات الفيزيائية ومراحل التطور البيولوجي بأنه في الأوقات العصيبة تحدث فجاةً تطورات تاريخية ضمن لحظات تاريخية و بسرعة فائقة لتجري من ثم في قنوات مختلفة. لهذا لا يمكن تسمية كل هبوط بأنه أزمة أو تسمية كل صعود بأنه تجدد وتطور. خاصة في أوقات تجاوزها البُنى الإجتماعية الموجودة وتشكل البُنى الجديدة. فالحقيقة هي ذات طبيعة متناقضة وكاوتيكية. ففترات الكاووس ” الفوضى البينية “هي أكثر الفترات التي تكون الحركة فيها مُكثفة ومتناقضة. كما أنها تحتوي الكثير من الإحتمالات والإختيارات. وليتم إيصال هذه الإحتمالات إلى واقعٍ ملموس فإنه يتوجب صرف جهد وسياسة و مستوى تطبيقي للسياسة عالي المستوى.ففترات الكاووس أو الفوضى البينية هي كالوقوف على حافة الهاوية. فإما سيتم التحليق أو سيتم السقوط و الإنزلاق إلى الهاوية. تكون التنظيمات المطالبة بالحرية بكل ما للكلمة من معنى والمرتبطة بالحرية لدرجة الشغف ضمن فترة الكاووس في أعلى مراحل إبداعها، فالإبداع يُولد في أجواء الكاووس، “أجواء الفوضى البينية ” هي أكثر الأوقات التي تتكاثف فيها الطاقة و الإصرار المُتزايد لتحقيق الحرية.
اذاً ماهو سبب كل هذا الجمود إتجاه المرأة والإنسان ؟ عندما لم يكن الربح -السمسرة – الفائدة موجود ، كان يتم العيش بشكل سعيد ,فكيف إذاً تحول من لايعرفون ماهو المال ، ومن لا يرون أنه من الضرورة أن يكون هناك سحق وضغط ، ومن لايعترفون بالحاجة لوجود الجيوش و السجون ومن دون أن توجد الدولة عاشوا حياة مشتركة ،كيف فجأة تحولوا إلى قاطعين لصلاتهم القوية مع بعضهم البعض ومع الطبيعة ؟.فهل هذا التغيير كان ضرورة تاريخية وهل كان التحكم إختيار لامفرمنه؟ وهل كان من الضروي العبور من المجتمع الطبيعي الى المجتمع الهرمي ومن ثم المجتمع الدولتي. لقد اخطأت الماركسية عندما اعتقدت بالنظرية القائلة بأنه للعبور إلى مجتمع جديد كان للقيمة الزائدة دور هام ذلك لأن المجتمع الطبيعي بقي مُتقوقع على نفسه ومتحفظا على ما أنتجه فقط ، لهذا تدخل مجتمع ونظام جديد وظهر على الساحة كضرورة . أي أن ما تكون من مجتمع جديد كان ضرورة تاريخية لابد منها ، فوسائل الإنتاج والقيمة الزائدة صدعت غلاف المجتمع الطبيعي الذي إستسلم لهذا التطور . هذه هي جوهر الأراء التي دافعت الماركسية عنها ، حيث أهملت أنه لكل الفترات والازمنة ديتارمينازيتها ” نهايتها ” تجعل أسباب التغيير واضحة ومفهومة وخير مثال هي قوانين الطبيعة التي من خلالها يمكن تكوين نظرة مستقبلية لما هو قادم . الماركسية التي نظرت إلى المجريات نظرة إقتصادية بحتة وأسقطتها على الواقع الإجتماعي ونظرت إلى التاريخ على أنه يتقدم دائما وفق خط مستقيم ، جعلتها تفشل وتخسر مقابل حقيقة الكون الدائم التحول والتغيير ضمن سيرورة كوانتومية . إن الأراء والنظريات التي تعتبر أن تطور الكون والمجتمع يسيران وفق خط مستقيم ودائمي وأصبح هذا الافتراض حقيقة بحتة وميكانيكية ،وهذا ما فتح المجال للنظرة المطلقة إلى الامور . فالكون المُدار بالمطلقية يحتوي على قوانين غير قابلة للتغيير. وهكذا أصبح المجتمع والكون يدارا وفق تلك القوانين المُطلقة التي لا تتغير. كما تدعي تلك النظريات والقوانين بأن كل شيء لا يتغير مكانه ، يكتسب الفعالية ويكون واضحاً وان لكل شيء سببه.





