
الشهيد بولات هركول.. مناضل حمل قضيته بين الجبال والسجون والدبلوماسية
جيندا دلسوز
يصادف اليوم 27 تموز الذكرى السنوية لمجزرة الحي الغربي التي ارتكبها مرتزقة داعش عام 2016 بواسطة شاحنة مفخخة، وأسفرت عن استشهاد 62 شخصاً وإصابة أكثر من 177 آخرين من المدنيين وعناصر قوى الأمن الداخلي وشخصيات سياسية وإدارية، وكان من بين الشهداء المناضل بولات هركول، الذي رحل بعد ثلاثة أيام فقط من عودته إلى روج آفا.
الشهيد بولات هركول واسمه الحقيقي مهدي شاكر عبدي، ولد في الثالث من حزيران عام 1967 في مدينة قامشلو، وهو الابن الأصغر لعائلة مؤلفة من تسعة أفراد. تعود أصول عائلته إلى شمال كردستان، حيث اضطر والده شاكر عبدي ووالدته فاطمة سليمان إلى الهجرة إلى روج آفا بعد ملاحقة الوالد من قبل الدولة التركية بسبب التجنيد الإجباري، رغم كونه الابن الوحيد لعائلته.
واستقرت العائلة بدايةُ في قرية “خربة جحيش”، ثم انتقلت إلى حي قناة السويس في مدينة قامشلو حتى يتمكن الأبناء من متابعة تعليمهم، قبل أن تستقر أخيراً في الحي الغربي، الحي ذاته الذي سيشهد بعد سنوات طويلة استشهاد بولات.
خلال دراسته، لم يكن المناضل بولات بعيداً عن مسؤوليات أسرته؛ فبعد انتهاء الدوام المدرسي كان يساعد والده في أعمال البناء. وفي تلك المرحلة تعرّف إلى عدد من كوادر حركة حرية كردستان، لتبدأ علاقته الفكرية والتنظيمية معها، كما تعرفت عائلته أيضاً على الحركة من خلاله.
وبعد إنهائه المرحلة الثانوية، اتخذ قراره بالانضمام إلى صفوف حركة الحرية عام 1987، وتلقى دورة تدريبية في أكاديمية الشهيد معصوم قورقماز بلبنان، قبل أن يعود إلى قامشلو ليبدأ نشاطه التنظيمي بين الأهالي، حيث عرف بين الجماهير بالمخلص والمتفاني، الذي لم يكن يعرف الراحة، وكرّس معظم وقته للعمل والتنظيم وخدمة القضية.
وفي عام 1988، انتقل إلى جبال كردستان والتحق بصفوف قوات الكريلا، لتبدأ مرحلة جديدة من حياته النضالية.
كان تأثيره داخل أسرته واضحاً أيضاً؛ ففي عام 1990 انضمت شقيقته جليلة شاكر، المعروفة باسمها الحركي هيلين گرزان، إلى صفوف حركة الحرية، وشاركت بدايةً في النشاطات السياسية بمدينة قامشلو، ثم أصرت على التوجه إلى جبال كردستان مع تصاعد الحرب، وانتقلت عام 1991 إلى جبال كردستان، وعملت في النشاط السياسي بمدينة دهوك، قبل أن تستشهد في الـ 3 من حزيران 1995 مع سبعة وعشرين من رفاقها في منطقة بدليس بشمال كردستان.
وفي عام 1991، تعرض بولات لإصابة خلال إحدى المعارك ضد الجيش التركي في جبل هركول، ونقل للعلاج إلى شرناخ في شمال كردستان، ثم إلى ديرك، ومنها إلى مشفى نافذ في قامشلو، قبل أن ينقل إلى مدينة حلب، حيث اضطر الأطباء إلى بتر أصابع قدمه بعد إصابتها بالغرغرينا.
ورغم تلك الإصابة التي لازمته طوال حياته، لم يتوقف عن العمل. فبعد تعافيه عاد إلى تنظيم النشاطات في مدينة حلب، ثم التحق مجدداً برفاقه في جبال كردستان عام 1993، واستمر هناك حتى عام 2000.
وخلال الفترة الممتدة بين عامي 2001 و2004، انتقل إلى مخيم مخمور، حيث عمل في تدريس طلاب المخيم، مؤمناً بأن بناء الإنسان لا يقل أهمية عن أي شكل آخر من أشكال النضال. وفي أواخر عام 2004 عاد إلى جبال كردستان في منطقة دولا كوكي، قبل أن يعود عام 2005 إلى روج آفا، ليواصل تنظيم الفعاليات الجماهيرية والسياسية المناهضة لسياسات الإنكار والشوفينية التي انتهجها النظام البعثي بحق الشعب الكردي.
وفي الـ 8 من آب 2005، اعتقلته أجهزة أمن النظام البعثي، ونقل بين حلب ودمشق، حيث تعرض لمختلف أساليب التعذيب خلال فترة اعتقاله. وبعد الإفراج عنه في ربيع عام 2006، عاد مجدداً إلى جبال كردستان، وشارك في تأسيس منظومة المجتمع الكردستاني – روج آفا.
وبعد انتهاء أعمال المؤتمر، عاد المناضل بولات إلى روج آفا في الـ 11 من أيلول 2006، لكن السلطات البعثية اعتقلته مرة ثانية، وأحالته إلى المحكمة العسكرية في القابون، التي طالبت بالحكم عليه بالسجن 46 عاماً. وبعد إعادة محاكمته لعدم ثبوت التهم الموجهة إليه، صدر بحقه حكم بالسجن لمدة عامين، أمضاهما في سجن صيدنايا بتهمة الانتساب إلى تنظيم سياسي محظور والعمل على اقتطاع جزء من الأراضي السورية وهي التهمة التي كان يستخدمها النظام البعثي ضد كل من يناضل من أجل حقوق الكرد.
وبعد انتهاء مدة محكوميته في الـ 16 من أيلول 2008، غادر إلى تركيا بهدف الوصول إلى أوروبا ومواصلة نشاطه هناك، إلا أن السلطات التركية اعتقلته في الـ 26 من تشرين الثاني 2009، وأودعته سجن مال تبه في إسطنبول لمدة 9 أشهر، قبل أن تقوم بترحيله إلى سوريا.
وفي سوريا، خضع لمحاكمتين جديدتين؛ الأولى أمام محكمة الفرد العسكري في قامشلو بتهمة تجاوز الحدود، والثانية في حلب بتهمة الانتساب إلى تنظيم سياسي محظور، في حين أصدرت السلطات التركية حكماً غيابياً بحقه بالسجن المؤبد.
ورغم الاعتقالات المتكررة في سوريا وتركيا، عاد مجدداً إلى جبال كردستان، ثم استأنف نشاطه في روج آفا، قبل أن ينتقل أواخر عام 2011 إلى لبنان، حيث تولى مسؤولية العلاقات السياسية والدبلوماسية، واستمر في هذا العمل مدة 3 سنوات، ساعياً إلى تعزيز العلاقات السياسية وإيصال رؤية الحركة إلى مختلف الأطراف.
وفي الـ 21 من أيلول 2015، انتقل إلى دولة الإمارات العربية المتحدة لمتابعة ملف العلاقات مع دول الخليج، قبل أن يعود إلى روج آفا في الـ 24 من تموز 2016.
ولم تمضِ سوى ثلاثة أيام على عودته، حتى وقع التفجير الذي استهدف الحي الغربي في الـ 27 من تموز، ليستشهد في المدينة التي ولد وترعرع فيها، ويشيّع بعدها إلى مزار الشهيد دليل ساروخان، حيث ووري الثرى.
لم يكن الشهيد بولات هركول ممن يبحثون عن الأضواء، بل عُرف بين رفاقه بهدوئه وقربه من الناس. كان يستمع أكثر مما يتحدث، ويجمع بين الصلابة في الموقف والمرونة في التعامل. امتلك شخصية جذابة، وروحاً مرحة، وقدرة على خوض النقاشات الفكرية والسياسية بهدوء وثقة، الأمر الذي جعل حضوره يترك أثراً في كل مكان عمل فيه.
رحل الشهيد بولات هركول جسداً، لكن رفاقه ما زالوا يستذكرونه بوصفه مناضلاً جمع بين العمل العسكري والتنظيمي والفكري والدبلوماسي، وبين التواضع والالتزام.





