أخبارالمزيدمقالات

فوارق المذاهب

زنارين قامشلو

 

ارتبطت المذهبية دائما في التاريخ الإسلامي بأبعاد سياسية ، تستغل الدين كإيديولوجيا في الصراع السياسي الدائر . و من هذا المنظور يمكن أن نقرأ الانشطار الذي حدث بدايات التاريخ الإسلامي ، و الذي أفصح فيما بعد عن تيارين مذهبيين كبيرين ، كل تيار يستغل تأويله للنص الديني لفرض هيمنته المذهبية/السياسية .

وإذا عدنا إلى فترة حدوث هذا الانشطار المذهبي ، فإننا لا نعثر على خلافات دينية ترتبط بتصور كل تيار للمسألة الدينية ، بل إن الأمر يرتبط في العمق بخلاف سياسي حول من يمتلك حق الاستخلاف بعد الرسول . وبما أن الأمويين كعائلة قرشية قوية ، تمكنت من السطو عنوة على الخلافة ، على يد معاوية بن أبي سفيان ، فإنها حاولت بناء إيديولوجيتها الخاصة التي تمكنها من ربح المعركة ضد علي بن أبي طالب و أنصاره، الذين تشيعوا له ( تبعوه ) فسموا فيما بعد بالشيعة ( شيعة علي أي أتباعه الذين انتصروا له).

لذلك فإن ما يسمى بمذهب السنة ، لا يجد أي تفسير واضح ، خارج الإيديولوجيا التي صاغته ، و اعتمدته كأداة للصراع السياسي ، و الاستفراد بأمور الحكم ، و لذلك فإن المعنى الحقيقي لهذا التيار ، لا يخرج عن الإيديولوجيا السياسية الأموية ، التي استغلت رجال الدين في بناء تصورها الإيديولوجي ، عبر تأويل النص الديني لخدمة مصالحها السياسية و الاستفراد بالحكم .

و في نفس السياق ، يمكن أن نفهم كذلك ما يرتبط بالمذهب الشيعي ، فهو لم يعتمد في البداية على أسس عقائدية أو تشريعية مخالفة للتيار السني ، بل إن هذا المذهب نفسه جاء كرد فعل ضد العنف الإيديولوجي ، الذي مارسه الأمويون ، حيث طهر على الساحة أتباع علي بن أبي طالب المنهزم – المخدوع على الأصح – في مواجهته ضد معاوية بن أبي سفيان ، و لذلك فقد اعتبرت تبعيتهم لعلي تشيعا له ، و أطلق على هؤلاء الأتباع اسم الشيعة ( الذين تشيعوا لعلي أي الذين تبعوه ).

بناء على هذه المعطيات التاريخية ، لا يمكن أن نتحدث داخل الإسلام عن تيارين دينيين ، بل على الأصح يمكن الحديث عن تيارين سياسيين ، لكل تيار سياسي إيديولوجيته الدينية التي يعتمدها في الصراع ، عبر تأويل النصوص الدينية ، لتخدم مصالحه السياسية .

لقد مر زمن طويل يقاس بالقرون على هذه الأحداث ، لكن أثرها لم يمح بعد من الذاكرة الإسلامية ، بل على العكس من ذلك يمكن اعتباره مكبوتا ظل راقدا في اللاشعور الجمعي ، من دون أن ينجح الحسم معه في مراحل تاريخية طويلة ، مليئة بالتحولات .

لقد شكل استيلاء الأمويين على السلطة، و تحويل نظام الحكم إلى ملك متوارث جرحا غائرا في ذاكرة أتباع علي المضطهدين، و الذين تعرضوا لأبشع صنوف الإقصاء و الاضطهاد. إن هؤلاء هم الذين سيعملون فيما بعد على بناء تصور معارض للتصور الأموي، و الذي سيبدأ سياسيا، بينما سيتحول مع مرور الزمن إلى تصور مذهبي.

وقد وجد هؤلاء إلى جانبهم ذخيرة بشرية ، تتكون من شعوب حديثة العهد بالإسلام، مثل الفرس ، الذين لم يخفوا نزعتهم للمشاركة في نظام الحكم و الاستفادة من الكعكة ، خصوصا و أنهم يمتلكون رأسمالا ماديا و رمزيا ، يرتبط بماضيهم الإمبراطوري المزدهر و المتطور .

لذلك سيجدون في الدعوة الجديدة، التي تعارض نظام الحكم الأموي القائم فرصة ذهبية، لتشكيل تصور سياسي بديل، يمكنهم من الانخراط في نظام حكم بديل، سيعملون على بلورته فيما بعد، عبر تشكيل معارضة قوية.

ولعل ما يؤكده التاريخ هو أن العباسيين في صراعهم ضد بني أمية ، استغلوا الجنس الفارسي ، لتحقيق حلم الانتصار على الأمويين ، بعد صراعات دامية دارت رحاها بين الطرفين ، مستغلين في ذلك تلك الحرب الشعواء التي شنها الأمويون على الأجناس غير العربية في الدولة .

 

لكن الجنس الفارسي الذي دعم العباسيين في صراعهم ضد بني أمية استفاد بشكل كبير من كعكة الحكم ، حيث تقلد الكثير من الفرس مناصب سياسية مرموقة ، و أصبحت لهم كلمتهم الفصل في شؤون الدولة ، وهذا ما مكنهم من إرساء الدعائم الإيديولوجية لمذهبهم ، مستغلين في ذلك الإمكانات التي وفرتها لهم الدولة الجديدة ، وقد استغلوا كذلك التقارب مع بني العباس ، حيث ينتمي الطرفان معا إلى شجرة النبي ( بنو العباس ينتمون إلى العباس عم النبي و الشيعة هم أتباع علي ابن عم النبي ) ، بالإضافة إلى تحالف الطرفين معا في مواجهة عدو واحد هو الدولة الأموية .

لقد ظهرت إذن خلال هذه المرحلة البوادر الأولى لمذهب بدأ يفصح عن تماسكه الإيديولوجي ( الإيديولوجية الشيعية ) في مواجهة الأمويين ( الإيديولوجية السنية )، و طوال مراحل هذا البناء المذهبي، كان الهاجس السياسي هو الموجه، من دون أي حضور لمعالم أي تعددية دينية.

اراء علي

الانتقاد اللاذع للسياسة القائمة على الغدر: انتقد علي بشدة الأساليب التي لا تلتزم بالمبادئ الإسلامية، حيث قال: “من ينظر إلى النجاحات الظاهرة لا يهتم بالوسيلة التي تحققت بها. يؤيدون أي شخص يرونه ناجحاً عبر الطرق الماكرة والخادعة ويعتبرونه إدارياً وذكياً وسياسياً ولامعاً فكرياً”.

الفرق في المنهج السياسي: كان الفرق عظيماً في السيرة والسياسة؛ فقد كان علي مؤمناً بضرورة إقامة العدل المطلق والمساواة بين الناس، بينما كان معاوية يجد مرونة أكبر في التعامل مع الأمور لتحقيق الاستقرار السياسي، وكان يستخدم المال لإرضاء الطامعين وكسب الولاء، وهو ما لم يكن يقبله علي.

رفض استخدام المال كوسيلة للسيطرة: أسلوب معاوية في المخادعة على من يواليه وحرمان من يعاديه لم يكن مقبولاً عند علي، الذي كان يصر على التوزيع العادل لبيت مال المسلمين دون تفضيل أحد على أحد.

باختصار، كان علي بن أبي طالب يرى أن معاوية يستخدم البراغماتية السياسية التي تتجاوز الخطوط الحمراء الأخلاقية والشريعة الإسلامية لتحقيق السلطة، بينما كان علي يرى أن السياسة يجب أن تكون مقيدة بالتقوى والعدل . وترون اليوم شخصية اردوغان و الجولاني كيف تطبق أساليب معاوية بحذافيرها .

 

مع تحياتي واحتراماتي الثورية

اترك تعليقاً

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى