أخبارالمزيدمقالات

الشرق الأوسط والمجتمع المدني والكرد

جرحى الحرب

الشرق الأوسط والمجتمع المدني والكرد

أي أنه بالرغم من الضغط الذي تعيشه المجتمعات من قبل دولها، هناك زيادة في الوعي وإمكانيات علمية تقنية هائلة تمكنه من تنظيم نفسه وتطويره ولا تعود محاولات فصل مجتمعاتها عن العالم إلا نوعاً من محاولة حجب الشمس بالغربال. إن هذا الوضع غير الديمقراطي لن تستطيع الاستمرار فيه أية دولة كانت، لأن العصر لا يتحمل ذلك والشعوب بما توفره لها الإمكانيات لم تعد قادرة هي الأخرى على الاستمرار عما كانت عليه سابقاً، وإذا كان عصر الثورات وفق المنظور القديم قد انقضى فإن ذلك لا يعني عدم حدوث تطورات فعلية وتغيرات جدية توازي ما تقوم به الثورات اعتماداً على مستجدات الثورة العلمية التقنية، ومن هذا المنطلق كان قول أمين معلوف:” إن أربعة طلاب أذكياء يستخدمون الانترنيت بجدارة، قادرون على أن يلعبوا دوراً يوازي رئيس دولة”. إذاً. هذا الواقع بمقدار ما يمنع تطور مؤسسات المجتمع المدني. فإنه بنفس الوقت يؤدي إلى تراكمات كمية تبقى بشكل قوة كامنة، لكنها ستظل تحتاج إلى التفعيل والتنشيط بالاتجاه الصحيح، وهذه بالتأكيد هي مهمة الطليعة الجماهيرية، التي لا بد وأن تمتلك ذهنية الحضارة الديمقراطية وتدرك وسائل تحويل هذه الطاقة الكامنة إلى قوة فاعلة، والحقيقة الثابتة التي لا تغيب عن الأذهان أن الجماهير المنظمة والمسلحة بفكر تقدمي وديمقراطي هي القادرة على تحقيق التطورات. هذا هو جوهر نظرية الساحة الثالثة التي تشكل السبيل الذي لا بد منه لإنجاز مهام التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط الذي يعاني من انحرافات شتى، سواء على مستوى الفكر والذهنية، أو على مستوى التنظيم وحتى على المستوى الاقتصادي والثقافي والاجتماعي. الشعب الكردي بعدما أنجزه من ثورة الانبعاث، وبامتلاكه لطليعة واعية مجربة اجتازت اصعب الامتحانات.

يظهر إلى الساحة بمثابة الصاعق الذي سيفجر قنبلة التحول الديمقراطي. وبمثابة الماء التي ستعيد الحياة إلى غابات حضارة الشرق الأوسط التي تعاني من العطش ويهددها الموت. وبهذا سيؤكد للتاريخ والمستقبل أن من شارك في بناء وتطور العصر النيوليتي ـ أي الكرد ـ إنما هم قادرون فعلاً على استعادة قواهم للعب أدوارهم من جديد. عوامل عدة تجعل الكرد المرشحين الأساسيين لمهمة الطليعة، التاريخ العريق، وعدم ابتلاء الكرد بأمراض العصر من التسلط و حتى الاستبداد القومي، تعرض الكرد المستمر للاضطهاد يمنحهم قوة المساواة لأنهم لم يصابوا بأمراض السيطرة على الآخرين. الجغرافية التي يسكنها الكرد. أبعادها التاريخية وموقعها الجيوبوليتيكي وحتى تجزئة الشعب تغدو من جوانب أخرى عاملاً مساعداً على أحداث تغيير شامل وليس جزئي. انتهاء عصر الأنظمة الحاكمة على الشعب الكردي وتناقضها مع روح العصر، والتطورات العلمية التقنية التي ظهرت في نهاية القرن بدءاً من الانترنيت وحتى الثورة الوراثية، والأهم من كل هذا أن الشعب الكردي قد أدرك تماماً قضاياه ومشاكله وحلها والأسلوب الواجب أتباعه للوصول إلى الحل. و كل ذلك عبر طليعة منظمة مسلحة بذهنية جديدة، تتلاءم مع العصر. و لا تنكر جذورها و أصالتها التاريخية. كما أن الظلم والاستبداد الذي يتعرض له الشعب الكردي يجعله قوة كبيرة في التغيير لما له من مصالح في هذا التغيير، فالكرد بتاريخهم العريق الذي يمتد حتى سومر، و بعد أن حققوا ثورة الانبعاث ووصلوا إلى طليعة معاصرة من النمط الذي عليه، و بقيادة أثبتت نفسها فكرياً و إيديولوجياً و سياسياً و شعبياً و على مستوى العالم كله، و باعتمادهم على طرحهم المعاصر المتمثل في “من دولة الكهنة السومرية نحو الحضارة الديمقراطية” و الشكل التنظيمي المناسب. بشعارٍ لا يجوز ترك أية ساحة بدون تنظيم. قادرون أن يلعبوا ليس فقد دور الطليعة، بل حتى دور القوة الاساسية في هذا التغيير بشرط تخليصه من اللامبالاة وانعدام التنظيم وسيطرة الذهنية والافكار السابقة و التابعة.

أي أن الكرد يجب أن يطوروا مؤسسات المجتمع المدني بشكل. أن مستوى الوعي العام. و تحديد الهدف و الارتباط به هي من العوامل الهامة في تطور منظمات المجتمع المدني، وذلك قد توفر إلى حدها عبر صراع مستمر أستمر 30 سنة مليئة بالانتصارات و الآلام و الصعوبات هذه السنوات حققت وحدة روحية و ذهنية ديمقراطية تسعى إلى التطور. لكن بالطبع لا بد من إتمام ذلك. فالارضية إذن مهيئة في كثير من النواحي، لكن هناك عراقيل جدية طبعاً. كطبيعة الأنظمة و النظريات الفوقية الضيقة لشعوب الدول لحاكمة…الخ لكنها ليست من القوة بدرجة لا يمكن التخلص منها أو إنجازها على العكس، هناك شروط مهيئة جداً، لكن مع توفر الذهنية و الفكر اللازم لابد من الدخول إلى الساحة العملية، و ذلك بأغنى أشكال العمليات التي تسمح، لسنا هنا بصدد ذكر تلك العمليات التي تشمل عدم الطاعة و العصيان المدني الذي يمكن أي نجملها أو نطلق عليها إصطلاحاً إسم الانتفاضة، إنما نود التأكيد على أن ضعف أو حتى انعدام مؤسسات المجتمع المدني لا يعني الانتظار، و يجب أن لا ننسى أن الممارسة العملية و المستوى التنظيمي يؤثران كل منهما على الآخر بشكل إيجابي، و مثلما هي كثيرة تناقضات الكرد مع المجتمعات الرسمية أو الدول. تتوفر إمكانية تنظيم ردود الأفعال هذه عبر منظمات قادرة على القيام بالضغط، أو إذا كانت هذه المنظمات تعتمد على فعالياتها على احترام القوانين فإن ذلك لا يعني قط أن تحرم نفسها من وسائل الدفاع المشروع لتحمي ذاتها، لأن ذلك مسالة حقوقية عادلة، من ناحية أخرى إن حقيقة الشرق الأوسط ووضع الكرد يفرض أن تكون هذه المؤسسات في تحالف و تعاون و تضامن شامل و على كل المستويات، ليس هذا فحسب بل مثلما أن الهدف لا بد أن يكون إتحاداً شرق أوسطياً ديمقراطياً فإن تهيئة و تجهيز هذه الأرضية منذ الآن هي مهمة ديمقراطية و تقدمية.

ويجب أن لا ننسى أبداً أن خلق منظمة حرة، أو حزب يدعو إلى الحرية، أو خلق مجتمع حر، يمر أولاً عبر خلق فرد حر قادر على أن يوجه القضية المجتمعية نحو مسارها الصحيح. حقيقة أن الإنسان الكردي قد عرف مشاكله، وشخص أمراضه وحدد علاجها. رغم أنه كان مريضاً جداً وكان على وشك الموت في يوم ما. لأنه عثر على طبيبه الذي يتمتع بالمعرفة التي تمكنه من المعالجة الصحيحة، لكنه رغم ذلك أفضل حالاً من تلك الشعوب أو التجمعات الإنسانية التي لا تزال غير مدركة لمرضها أو لنوعه ولم تشخص أمراضها وتظن أنها في عافية كافية. وهذا فإن الكرد مؤهلون فعلاً لقيادة حركة التحول الديمقراطي في الشرق الأوسط كله، و إن كان بأشكال مختلفة عبر تطوير مؤسسات المجتمع المدني في كل ساحة و على كل المستويات. فمثلاً يمكن للجماهير التنظيم والضغط اعتماداً على بعض المطالب دون الدخول في مواجهات عنيفة مثل إنشاء النوادي والتجمعات، والجمعيات الحرفية أو مؤسسات حقوق الإنسان. حسب طبيعة هذه الدولة أو تلك.. بالطبع إن ذلك لن يكون بسيطاً أو خالياً من ردود الأفعال حتى القاسية أحياناً. لكن يجب أن ندرك أن النضال السلمي لا يعني العمل براحة تامة، وأنه لابد من تهئية الظروف بشكل جيد عبر النضال، و لا يجوز انتظار الظروف أن تنضج من ذاتها.. هذه الثنائية العملياتية و التنظيم ستتطوران لا بد بشكل متداخل، و مستوى معين من التنظيم يسمح بالتأكيد لمستوى علمياتي و إن كان يبدو بسيطاً، لكن استخدام هذه الفرص سيؤدي إلى خلق فرص اكبر، و على العكس عدم استخدامها لن يؤدي إلا إلى الاختناق والانفجار.و يجب أن ندرك إلى جانب ذلك أن النواقص الموجودة سيتم تلافيها عبر استمرار المسيرة النضالية، و أن القوى الحاكمة لم تعد قادرة على استخدام العنف دون حدود أو على هواها أو وفق ما تريد لأن هذا العالم الذي يعيش مرحلة العولمة و يعيش الديمقراطية لا يسمح لتلك القوى بذلك. عندها يجب أن نفهم إذ أن النضال الديمقراطي لا يعني عدم النضال تحت إسم السلام. إنما سيكون هناك صراع سياسي قوي وحساس، وأنه يحتاج إلى التضحية والإبداع. بهذا المنطق النضالي فقط يمكن تطوير المجتمع المدني ضمانة الديمقراطية واستمراريتها في مجتمعات الشرق الأوسط بكل شعوبها العربية والكردية والتركية والفارسية والشعوب الأخرى بما فيها الاقليات المختلفة. ليكون مفتاح الحل لقضايا الشرق الأوسط في هذا العصر. عصر الحضارة الديمقراطية.

 

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى