أخبارالمزيدمقالات

الشرق الأوسط والمجتمع المدني والكرد

جرحى الحرب

 

ما أن ظهرت البرجوازية في اوروبا، وبدأت تلعب دورها التقدمي في مواجهة الإقطاعية والمونارشيات الرجعية التي كانت تستخدم كل الأساليب للاستمرار في سيطرتها، حتى كان المجتمع المدني كمصطلح يتطور بالتدريج منذ القرن الثامن عشر، تعبيراً عن تلك الفئات التي ترغب بالتغيير في موجهة المجتمع الرسمي الذي يمثل الدولة والمؤسسات والأفراد والعاملين فيها، و ذلك المجتمع التقليدي الذي يشكل امتداداً لها بمعنى من المعاني. لكن ما أن تحولت البرجوازية لتشكل المجتمع الرسمي بعد استلامها للسلطة حتى تغير محتوى هذا المصطلح مرة أخرى ليشمل فئات وشرائح مختلفة وهو يمثل في يومنا هذا الشرائح والقطاعات الاجتماعية التي تمتلك ذهنية حرة وتمتلك برنامجاً وتنظيماً، لكنها لا بد وأن تحترم القوانين السائدة. وتعمل رغماً عنها، و بشكل طبيعي فإنها تقف في موقف المواجهة مع المجتمع التقليدي أيضاً، فهو بذلك يقوم بالضغط عبر قواه المنظمة ليتمكن من أحداث التحولات التي تنادي بها برامجها، و بشكل عام فإن المجتمع المدني هي الساحة التي لا توجد فيها الدولة أو خارج إطارها. ان المجتمع المدني و تطويره يعتمد أصلاً على منطق أن الناس قبل أن تكون مخلوقات طبقية أو اقتصادية هي مخلوقات مجتمعية..و بهذا فهي الساحة التي تتحرك فيها التجمعات الانسانية دون أن تتعرض للعنف و الإرغام من قبل أية قوة كانت، و تنظيم العلاقات المتشابكة التي تظهر باسم الإيديولوجية و المصالح و العائلة هي الأخرى تدخل في إطار المجتمع المدني، و رغم أن هيغل يرى أن المجتمع المدني و الدولة كلاهما مدينان لطبيعة الرجل إذ يقول ” حتى إذا تغير التاريخ، و إذا دخل التاريخ مراحل جديدة بجهود الرجال فإن المرأة ستظل في ساحتها الخاصة تعمل في البيت، تلد الأطفال و تربيهم، تلبي احتياجات الرجل الجنسية، و هذا ما يدفع المرأة إلى خارج التاريخ ثانية” أي أن المرأة عند هيغل غير مؤثرة في المجتمع المدني..

المقالات الأكثر قراءة

وما نود الإشارة إليه في أقوال هيغل أننا أوردنا فقط حجم التناقضات التي خلقت نظرية المجتمع المدني رغم أن العصر يؤكد أن المرأة هي القوة القادرة على قيادة وتوجيه المجتمع المدني برمته. ويمكن اختصار ذلك في أن المسألة هي: تأمين حياة جيدة وتحقيق الاستمرارية لها. وقد تحدث ماركس عن المجتمع المدني بقوله: “أن المجتمع المدني يمثل العلاقات المادية في مرحلة معينة من تطور قوى الأنتاج” ثم يضيف رغم أنه مجبر في الظروف الراهنة على العمل داخل الدولة، فهو أصلاً يتجاوز حدود الدولة والأمة”. أما أنجلز فيتحدث عن دور المجتمع المدن بقوله ” ان ما ينظم المجتمع المدني ويحدده ليست الدولة، بل أن ما يحدد وينظم الدولة هو المجتمع المدني”. إذاً فالمجتمع المدني يعني في يومنا هذا الراهن تنظيم المجتمع الحر المستقل في نظرته لتطوير فعالياته والضغط على المجتمع الرسمي والكلاسيكي كلاهما. ضمن حدود احترام القوانين ودون استخدام العنف. إذا دققنا النظر نشاهد أن مناقشة المجتمع المدني التي تطورت في القرن الثامن عشر تتزامن مع المرحلة التي بدأت الديمقراطية فيها تحتل ساحات المناقشات من جديد. ويمكن القول إننا لا نستطيع الفصل بين الديمقراطية والمجتمع المدني، حتى أن اعتبار تطور المجتمع المدني مقياساً أساسياً للديمقراطية لن يكون موقفاً خاطئاً قط إذ أن المجتمع المدني يلعب دوراً في تقليص قوى الاستبداد والتحكم التي تحاول الدولة التي تمثل المجتمع الرسمي وأعوانها من المجتمع التقليدي غير المنظم و التابع و الذي يتحرك وفقاً لإرادة الأول، أن تمارسه ضد شعوبها لتتمكن من استغلالها وفقاً لصالحها. يمكن أن نلاحظ تغير الأدوار بكل وضوح في هذه العملية ارتباطاً بالتطورات التي تجري في المجتمعات، إذ أن البرجوازية التي كانت تمثل المجتمع المدني في مرحلة ما، تحولت إلى المجتمع الرسمي مع استلامها السلطة، وما نوده من ذلك أن هذا المصطلح يتغير وفقاً لتغير الظروف الموضوعية.

إن قوة المجتمع المدني مرتبطة كلياً بمستواه التنظيمي عمقاً واتساعاً، فبمقدار ما يتطلب انتشاراً واسعاً يضم اكبر عدد من الناس و التجمعات. فإنه يحتاج إلى عمق تنظيمي قادر على مواجهة كل الضغوطات، أي يجب أن لا نتصور أبداً أن ذلك سيتحقق ببساطة لكنه سيظل دائماً في مواقع الدفاع عن القيم الديمقراطية و الحرية، و بهذا فإن دوره الأساسي يتمثل في زيادة حساسية المجتمع الديمقراطية و خلق قوى ضغط قادرة على الدفاع عن القيم الإنسانية و مصالح الشعب.و دور المجتمع المدني يبرز أكثر عندما تكف فيه الدولة عن القيام بتحولات ديمقراطية أو بشكل آخر عندما تفقد الدولة قدرتها على أحداث التغييرات. و يتبعها في ذلك المجتمع التقليدي الذي يشكل امتداداً له، حينها لا بد أن نتساءل ما هي الساحات التي ينظم فيها المجتمع المدني نفسه..ارتباطاً مع أهدافه بخلق حياة سعيدة فإن ذلك يعني أنه يشمل كل ساحات الحياة بدءاً من الاقتصاد و السياسة و حتى الثقافة والأسرة و الرياضة و الفن. وعلى مختلف المستويات من بناء الأحزاب السياسية والأندية والجمعيات الحرفية.. أي يجب أن لا نترك أية ساحة بدون تنظيم، و استغلال كل تناقضات الجماهير الشعبية مع المجتمع الرسمي من اجل تنظيمها وفق اهدف مختلفة. انشاء شبكة تنظيمية و تأمين تدفق قواها في مجرى واحد سيؤدي إلى تشكيل قوة هائلة و عظيمة لا يمكن التصدي لها، و لا تعود هناك الحاجة إلى إستخدام أساليب العنف لأنه أصلاً تمتلك القوة القادرة على التغير، بهذا الشكل فإنه بمقدار تطور المجتمع المدني يضعف دور الدولة أو تسير نحو اختصار مهماتها و دورها، و بالتالي صلاحياتها، سواء عبر توزيع الصلاحيات من المركز إلى المحيط و الإبتعاد عن المركزية و بهذا التخلص من تمركز كل شيء في مركز واحد، و هذا يفسح المجال أمام التعددية و هي ظاهرة ديمقراطية، و أمام مشاركة أوسع الجماهير الشعبية التي تمثلها.

نظرة سريعة إلى العالم الأوربي تجعلنا نرى بكل وضوح أن مستوى الديمقراطية فيها رغم كل النقد الموجه لها مرتبط ويسير بشكل متوازن مع تطور المجتمع المدني. والمجتمع الذي يملك أعلى مستوى من منظمات المجتمع المدني وأكثرها فاعلية. هو الأكثر ديمقراطية وعدالة وحقوقاً، لنعد هنا إلى حقيقة الشرق الأوسط وواقع المجتمع المدني فيه. لابد أننا بالتأكيد مجبرون على مناقشة هل يوجد مجتمع مدني أم لا؟مسألة هامة و قضية لا تقبل تأجيل النقاش حولها في بداية القرن الحادي و العشرين، مع بداية عصر الحضارة الديمقراطية. هل يمكن أن نتصور مجتمعاً ما دون تنظيمات المجتمع المدني في هذا العصر.؟ مع الأسف المسألة لا تحتاج إلى أية تصورات مختلفة إذا نظرنا بإمعان إلى ما يحيط بنا من مجتمعات. طبعاً إن مستوى التطور والثقافة والأعراف والتقاليد الديمقراطية، ليس هذا فحسب بل مستوى الفكر وتطور الفكر العلمي الذي يعيشه المجتمع تجعلنا ندرك جيداً أسباب غياب هذه المؤسسات. وهل يمكن أن نعثر على منظمة فاعلة وحقيقية تدافع عن حقوق الإنسان بمعزل عن الدولة.؟. وهل يمكن أن نجد مساحة إعلامية حرة بعيدة عن سيطرة الدولة.؟. الإجابة على هذه الأسئلة ستوضح جيداً فقدان هذه المساحة … ناهيك عن ذلك فلا تزال هناك دول يمنع فيها للنساء ترشيح أنفسهن وحتى ممارسة السياسة أو الفعاليات الشعبية الأخرى. لذا ليس غريباً أن نجد سياسيين يحكمون دولاً ليقولوا: “كيف تطالبون بالديمقراطية. انظروا ماذا فعلت الديمقراطية بلبنان”. الأنظمة السياسية هي نتاج المجتمعات عند درجة تطورها، أي أن نوعية الأنظمة السياسية هي بإحدى لمعاني مقياس لمستوى تطور ذلك المجتمع، أنها مرآة المجتمع.

فلا يمكن أن تستمر أنظمة فاشية بالسيطرة في مجتمعات تمتلك تقاليد وأعراف ومؤسسات ديمقراطية. أنظمة الشرق الأوسط بشكل عام سلسلة من الأنظمة المتسلطة الاستبدادية التيوقراطية و الاوتوقراطية و الدكتاتورية و بقايا المونارشيات القادمة من القرون الوسطى، ليس هذا فحسب بل أن تسلط البنى العائلية، و تحول السلطة الأشبه بانتقال السلطة أيام عهد السلالات، في ظل هذه الأنظمة حيث تختفي التقاليد الديمقراطية فعلياً، و أن كان تدعي ذلك نظرياً، الانتخابات الشكلية، منع حرية الفكر و التنظيم، منع حرية الإعلام والنشر الدساتير، و القوانين الخارجة عن العصر، و التي لا تزال تصر على القوانين التي صيغت قبل ألفي، عام استمرار حالات الطوارئ و الأحكام العرفية، سيطرة الجيش وتحكمه بالمجتمع و الاقتصاد و السياسة، الأنظمة الاستخباراتية الهائلة، حتى الانتخابات لا تتعدى الشكليات. كل هذه أجزاء من لوحة شاملة هي الشرق الأوسط..الذي لا يمكن أن نعثر فيه على منظمة مستقلة واحدة للمجتمع المدني بما فيه حقوق الإنسان. وكلنا يعرف مصائر من حاولوا الدفاع عن هذه الحقوق.. ليس هذا فحسب بل أن الدولة وبهدف منع السبيل أمام تطور هذه المؤسسات تعمل على إنشاء مؤسسات تابعة تمنحها كل إمكانياتها، لتتحول إلى مؤسسات ملحقة بالنظام وتعمل على الدعاية له. وبهذا تنعدم المسافة بين المجتمع الرسمي (الدولة) والكلاسيكي الذي يمثل تراكمات السكان غير المنظمة أو التابعة وكل ذلك عن طريق استخدام العنف بكل الأشكال والأنواع. إن حجم ضغوطات الدولة تخلق بالتأكيد المعارضة في صفوف الشعب لكن عدم توفر التقاليد الديمقراطية والممارسات الواردة الذكر كلها، وانعدام فاعلية القوانين والدساتير المصاغة فعلياً، هذا ناهيك عن أنها لا تحوي مبادئ ديمقراطية فعلية، والتخلف الذي يعانيه الشعب نتيجة لفترات من الاستعمار و من ثم الاضطهاد و الاستبداد. كل ذلك يؤدي إلى غياب تنظيم مؤسسات المجتمع المدني بشكل فعلي، لكن يجب أن لا ننسى حقائق أخرى حول العصر و هي أننا نعيش في عصر الثورة العلمية التقنية الهائلة، عصر الحضارة الديمقراطية، و هذا بالتأكيد يخلق إمكانية هائلة للتنظيم، كما أن مستوى الوعي لدى الجماهير، و تأثرها ببعضها البعض، هي عوامل إيجابية هامة، تجعل إمكانية منع كل شيء مستحيلة.

 

 

 

 

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى