
تبسمت الشفاه وفرجت الوجوه لدى بدء الانتفاضة الشعبية في كل من تونس ومصر، تعلقت آمال الشعوب بهذه الانتفاضة لذلك سرعان ما بدأ الشباب بإضرام النار في جسدهم كي تكون نقطة بداية لانتفاضة عارمة في بلادهم، يقفون ضد الظلم والاعتداء المستمر منذ أكثر من خمسين عام، بإمكاننا القول أن الجيش التونسي والمصري اتخذ موقفا صارحا وواضحا إلى جانب شعبه، بالتالي أدى ذلك إلى تغيير النظام الحاكم وسادته دون سفك الكثير من الدماء، كانت هي الانتفاضة الحقيقية التي عبرت عن مطالب ومشاعر الجماهير في الحرية، أما في ليبيا فقد ولدت الانتفاضة بمغاصات أليمة وعمليات قيصرية أدت إلى ولادة طفل مشوه ناكر لكدح المرأة الأم. لأن عملية الحمل كانت نتيجة احتقان من أدوية النظام الرأسمالي المتعطش لحليب أمهات منطقة الشرق الأوسط بكاملها. هذا وكما تستمر الانتفاضة بأوج حرارتها في كل من سوريا واليمن وبعض البلدان التي تتعرض لرجات شعبية بين الحين والآخر، لكن هذه الانتفاضات التي بدأت كردة فعل قوية في مواجهة الانظمة الديكتاتورية الشوفينية الحاكمة والتي راح فيها الآلاف من الضحايا الذين قدموا أرواحهم في سبيل التحرر، فكان منها النساء والأطفال والشباب ونتيجة التدخلات الخارجية لهذه الانتفاضة نرى بأنها لم تحقق آماال الشعوب في تحقيق الحرية. هذا وعندما نحلل النتائج الناجمة عنها والأنظمة البديلة التي ظهرت على الساحة، نرى بأن القوى الإسلامية المتشددة التي عملت على تسلم السلطة أتت كي تكتم على أنفاس الجماهير وبالأخص المرأة والشبيبة. وهي تتخذ من الشكل الذي يفيد الأنظمة الرأسمالية أساس لها وهو الموديل المرجح من قبل النظام الرأسمالي ليخدم مصاله في المنطقة. هذا ويمكننا القول أن الانضمام الكثيف أتى من قبل كل من فئة الشبيبة والمرأة إلى هذه الانتفاضة لدرجة يمكننا إرجاء الدور الأعظمي لانتصار الثورة إلى هاتين الفئتين. لكن ما ظهر فيما بعد الثورة هو تقليد هذه الأنظمة الجديدة للأنظمة القديمة وتقمصها لنفس الدور الذي كان يلعبه نظام الدولة القوموية في اسلوب إدارة المجتمعات وسلب حرياته، هذا وكما يمكننا نعتها بالأنظمة الأكثر تعصبية مما قبلها، حيث تقمصت الأولى دور القوموية أما الثانية تتقمص دور الدينوية المنبعثة عن نفس المبدأ ونفس الذهنية التي تسعى لتسلم زمام السلطة. وكلا موديلي النظام يكون تقربه من قضية المرأة متشابه ومتوحد في مبدأ حريتها. حيث يبني شكلا رجعيا معتمدا على عبودية المرأة في بناء الحياة المجتمعية وطراز العيش. إنها تستقصي المرأة من نتائج الانتفاضة وتحرمها من حقوقها المشروعة في الانضمام لكافة ميادين الحياة وخاصة ميدان العمل السياسي.
بعد انهيار نظام القذافي أعلنت الحكومة الانتقالية مباشرة بالتزامها بالقوانين الشرعية التي تم تسييسها من قبل الأحزاب الإسلامية الطائفية كحزب العدالة والتنمية في تركيا، وحركة الإخوان المسلمين في مصر وسوريا، ففي ليبيا تم إطلاق كامل الحرية للرجل كي يتزوج بعدد من النساء بحجة نقص عدد الرجال وازدياد عدد النساء وأصبحت قوانين الشرع هي السائدة في البلاد. وفي مصر اقصيت المرأة من حق الانتخاب في العديد من المراكز الانتخابية البرلمانية وعكفت في المنزل مرة أخرى، وهذا ما حدث في تونس أيضا حيث انتصر حزب العدالة والتنمية في الانتخابات التونسية، أما في سوريا نرى بأن الحركة النسائية تتحرك بثقل كبير وحزب الإخوان يقوم باستثمار طاقات المرأة في خدمة مصالحه الهادفة إلى تسلم كرسي السلطة. بالرغم من أن هذا الحزب لا يعطي أي اعتبار للمرأة لا في الحياة الاجتماعية ولا في الحياة السياسية وهو الذي يقوم بدفع المرأة نحو الهاوية كي يطلق زمام سلطته على المجتمع بأكمله، هذا ما يجعلهم أن يطلقوا على انتفاضة الشعوب اسم انتفاضة الإسلام أو ربيع الإسلام. حقيقة بإمكاننا القول أن ربيع الإسلام يعتبر هجمة خطيرة على المرأة والمجتمع على يد الإسلام السياسي. من المعلوم أن الدين يعتبر مسألة عقيدة وعبادة للرب وليس له علاقة بزمام السلطة لإدارة الدول، لكن الإسلام السياسي ظهر على شكل أحزاب سياسية تستهدف النظام الحاكم كي تبني بدلا عنه سلطتها وهي التي تكون على تحالف مع الأنظمة الرأسمالية بشكل مباشر. فبعد تجربة العراق ظهر بأن أمريكا غير قادرة على إلباس ثوب مفصل من قبلها لشعوب المنطقة، فالطابع الديني يشكل عائق جدي أمام تحقيق مطالب النظام الرأسمالي، لذلك سعت فيما بعد إلى تأسيس أحزاب إسلامية أو دعمها في المنطقة كي تلعب دور حصان طروادة فيها. وهكذا تحدث عملية الفتح الراهنة، ليبيا هي المثال الأمثل في ذلك.
أما الوضع السوري فهو لا يشبه ليبيا ولا تونس ولا مصر ولا حتى اليمن، نسبة للموزاييك السوري، نرى بأن القوى الخارجية تضطر لتفصيل فستان جديد مغاير عما ألبسته للدول الأخرى، فكثرة القوميات وتعدد الأديان والمذاهب، يؤدي إلى عدم نجاح المشاريع المخططة من قبل هذه الأنظمة. فالشعب الكردي مسلم بطبيعته، لكنه غير متزمت، وهو كردي ينادي بوحدة الوطن والديمقراطية لكافة شعوب سوريا. كما يوجد الأرمن والشركس والسريان والعرب الذين لم يعيشوا أي تناقض فيما بينهم سوى النزاعات التي خلقها النظام بوعي فيما بينهم. لذلك لا تتوحد القوى المعارضة في سورية فيما بينها حول إنجاح شكل الانتفاضة وحول النظام البديل. من المؤكد أن للشعب الكردي الدور الأساسي في إنجاح عملية الدمقرطة في البلاد السورية، خاصة وأنه يمثل أقدم معارضة في مواجهة النظام البعثي الحاكم. إنه يطالب بحقوقه القومية المشروعة، لكن القوى الخارجية أيضا تسعى لإقصاء الشعب الكردي من نتائج الانتفاضة هذه، فالشعب الكردي ووضع المرأة مشابه لبعضه البعض في هذا الخصوص، كافة السياسات تدور حول كيفية إنها حركة الشعب الكردي وترك المرأة في المنزل، لذلك تقوم حكومة أردوغان بتشكيل تنظيمات الإسلام السياسي في المناطق الكردية، إنه يعتمد على تنظيم المرأة أولا ومن ثم الشبيبة. وفي الآونة الأخيرة نرى بأن تدخلات حركة الإخوان المسلمين للمناطق الكردية بادية للعيان من خلال تطوير الدروس الدينية للنساء والفتيات وضمهن للمظاهرات بهدف استخدامهن ضد النظام الحاكم ليتخفوا هم وراء الستار كما مثال الرجل الماكر. في هذه النقطة بالذات أريد أن أنوه إلى أنه ليس من الخطأ أن تنضم المرأة للانتفاضة الشعبية، إنما الخطاء في إبعادها وإقصائها عن نتائج الانتفاضة هذه واستخدامها كوسيلة في عملية هدم الأنظمة الموجودة فقط دون تفعيلها في عملية البناء من جديد. بهذه الحالة يمكننا القول أن الأنظمة المتشكلة كبديل جديد تقوم باستثمار طاقات المرأة وهي تخدع الجماهير في ضم المرأة للحراك الشعبي. بالمقابل تنكر المرأة وترفض وجودها لأبعد الحدود، هذا ما يمكننا تسميته بمجزرة النساء، حيث تقتل فيها المرأة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا وإراديا، من الطبيعي أن يؤدي ذلك إلى اندلاع ثورات جديدة في مواجهة الأنظمة الإسلامية السياسية في المراحل المقبلة.
هنا أريد القول أن المرأة الغير منظمة المتروكة لرحمة الرجل لا بد وأنها منتهية ومضي عليها، فالمرأة التي تنضم للمسيرات الشعبية بشكل عاطفي وعشوائي، تساهم مباشرة في هدم النظام، لكنها لا تضع الأسس التي سيتم بناء النظام الجديد عليها، من الضروري جدا أن تقوم المرأة بوضع شروط انضمامها للثورة كي تنال حقوقها، فلا يمكن للمرأة أن تصوت للرجل الذي يقوم بتجليدها بشكل يومي، مع الأسف الشديد، هذا ما يحدث وما نراه بأم أعيننا نتيجة الضعف التنظيمي بين صفوف النساء وعدم وعيهن بحقوقهن المشروعة. لهذا أود القول أن على كافة النساء أن يقمن بمناقشة الدستور الجديد للبلاد التي تحمل الانتفاضة بداخلها، بحيث يمكنها تأمين حقوقها وحرياتها عن طريق الدستور الجديد، وعليها أن تفرض شروطها في الساحة العملية عن طريق تنظيم المسيرات النسائية المنادية بحرية المرأة، من غير الممكن أن يقوم هدف المرأة هدم النظام الحاكم، إنما الأهم من ذلك هو بناء النظام الجديد البديل. لهذا على المرأة السورية أن تتخذ الدروس والعبر من انتفاضة الشعوب الأخرى، كي تكون هي متمسكة بحقوقها ومنظمة من أجل فرض ذلك على أرض الواقع، أن لا تترك الفراغات بهذا الخصوص، وإلا سيكون نتيجة الثورات هذه وخيمة جدا بالنسبة للمرأة. لذلك على كافة النساء في سوريا، أن يكن أكثر وعيا لحقوقهن المشروعة وأن ينتظمن تحت سقف تنظيمي واحد ومبادرة نسائية واسعة النطاق بحيث تشمل كافة القوميات والطوائف والتنظيمات والمؤسسات والشخصيات المثقفة. وتحت “شعار إذا لم تتحرر المرأة لن يتحرر المجتمع” يجب أن يناضلن في مواجهة النظام الذكوري المتسلط القديم منها والجديد. وعلى المرأة الكردية أن تكون أكثر تيقظا لألاعيب الإسلام السياسي وأن لا يهدرن طاقاتهن في سبيل تحكيم النظام الذكوري في المجتمع الكردي، عليها أن تطرح البديل بنفسها وحسبما يخدم حرية المجتمع بأكمله. فكما للشعوب حق تقرير المصير للمرأة أيضا حق تقرير مصيرها، هي التي ستبدي رأيها وتفرض قرارها على أرض الواقع في تشكيل الدستور الجديد عن طريق أخذ مكانها في مراكز القرار من أعلى المستويات.
فكما قلت أن هذه تعتبر فرصة تاريخية بالنسبة للمرأة كي تطيح بأنظمة بلغ عمرها خمسة آلاف عام، عليها أن لا تأخذ قضية حرية المرأة على أنها قضية اسرية يومية زائلة ومتغيرة من شخص لآخر، إنما هي قضية استعباد ذهنية تاريخية، بحاجة لمعالجة تاريخية يقاس بعمر النظام الرجولي الذكوري، وهذا ما يتطلب كفاح ونضال عريق ومنظم وواعي، يعتمد على دفع قوة المرأة وديناميكيتها الثورية إلى الانضمام الكثيف والفعال للانتفاضة الشعبية، كي تلعب دور الطليعة في المرحلة التاريخية هذه، وكي لا تخرج من المولد بلا حمص على أن تكون أكثر تعقلا وسياسية من أن تهدر طاقاتها لخدمة واستحكام نظام ذكوري بنظام ذكوري من نوع آخر.
على المرأة أن تتعرف على تاريخها أولا، التاريخ الغير مكتوب، كي تقود المرحلة بشكل سليم على فئة الطليعة أولا أن تكون أكثر قدرة على معرفة ذلك، عليها أن تعتمد على ذاتها في كل شيئ، هي التي ستقوم بتوعية المرأة، وهي التي ستؤهلها للثورة وليس الرجل، عليها أن تتعرف على قوتها وإمكاناتها التنظيمية والإدارية، من خلال تجربة المرأة الكردية لذلك، رأينا بأنها قادرة على فعل كي شيئ إن كانت مقتنعة بالفكرة، وتتقرب بدون حسابات سياسية، إنما إحساس الحرية هو الذي يدفعها لتخطي قيود الموت كي تنطلق نحو التحرر، وأي قوة في العالم غير قادرة على إيقافها أو إبعادها عن الطريق، لذلك تكون هي المنتصر إن عملت بفهم واعي لقضية التحرر الجنسوي، هذا ما يتطلب من المرأة السورية أن تقوم به، دون أن تضع لنفسها القيود ضمن الحدود التي تم رسمها لها من قبل النظام الحاكم والنظام الاسري.
Ji Pênusa Jinên Têkoşer






