أخبارالمزيدمقالات

الدولة القومية

فدرسيون جرحى الحرب

ونظراً لتشاطُرِها النظامَ المهيمنَ عينَه من حيث المضمون، فإنّ تناقضاتِها معها لن تَكونَ ذات معنى، مهما كانت جدية، إلا إذا تجرأَت على الخروجِ من إطارِ الحداثةِ الرأسمالية. وإلا، فكيف لك أنْ تنضوي تحت كنفِ هيمنةِ الحداثةِ الرأسماليةِ عينِها، دون أنْ تعترفَ بإسرائيل!.

إذا لَم يتخطَّ تبعيتَه للحداثةِ الرأسمالية، فلن يتخلصَ الصراعُ العربيُّ–الإسرائيليُّ أو الفلسطينيُّ–الإسرائيليُّ من التشبُّهِ بصراعِ الفأرِ والقِط. فما يتجلى في النتيجةِ هو هدرُ طاقةِ الحياةِ لدى الشعوبِ العربيةِ قاطبةً في معمعانِ هذه الاشتباكاتِ الواضحةِ النتيجةِ سلفاً، والتي تدورُ رحاها قرابةَ قرنٍ بأكملِه. ولو لَم تُفتَعَلْ هذه الاشتباكاتُ والصراعات، لَكان هناك وطنٌ عربيٌّ نظيرٌ لعشرةِ أمثالِ اليابان من حيث وارداتِه النفطيةِ فقط.

أهمُّ نتيجةٍ نستخلصُها من هذا التشخيص، هي أنّ منهجيةَ الدولةِ القوميةِ في الشرقِ الأوسطِ ليست منبعَ حلٍّ للقضايا الوطنيةِ والاجتماعيةِ الأساسيةِ حسبما يُزعَم. بل إنها منبعُ تصعيدِ وتجذيرِ وتفاقُمِ وعُقمِ هذه القضايا. ذلك أنّ الدولةَ القوميةَ لا تحلُّ القضايا، بل تنتجُها، فالشعوبُ العربية تعاني من قضايا اقتصاديةٍ وديمقراطيةٍ متراكمةٍ كالجبالِ الشاهقةِ على مرِّ التاريخ، والدولُ القوميةُ العربية، غدَت قمراً يدورُ في فلكِ الحداثةِ الرأسمالية، ولن تستطيعَ البتةَ تلبيةَ مطالبِ شعوبِها الاقتصاديةِ والديمقراطيةِ الأكثر عمقاً.

ولن تسطيع حلِّ هذه القضايا؛ بل إنها لا تودُّ التلفظَّ حتى باسمِ الحلّ. وقد ضاعفَت من حِدَّتِها باستمرار، وعَمِلَت على التواري خلف الصراعاتِ الدينيةِ والمذهبيةِ الزائفةِ والمُصطَنعةِ على الدوام. بحيث انتقلَت بالقضايا العالقةِ إلى طَورٍ بات لا مفرّ فيه من الانحلالِ والتبعثرِ والتوجهِ صوبِ الاشتباكِ حتى الرمقِ الأخيرِ، فالنظامُ نفسُه لا يقتصرُ على تأليبِ دولِ الشرقِ الأوسطِ على بعضِها بعضاً. بل إنه وسيلةٌ لتأجيجِ النزاعات بين مجتمعاتها أيضاً إلى أن تَخُورَ قواها. وحقيقةُ العراقِ تؤكدُ مصداقيةَ هذا التشخيصِ بأحسنِ صورة.

تتعلقُ حزمةُ القضايا، التي تحتلُّ المرتبةَ الثانيةَ ارتباطاً بالقضايا العربية، بوجودِ إسرائيل. فنظرةُ النزعاتِ القومويةِ والإسلامويةِ والدولتيةِ القوميةِ العربيةِ حيالَ إسرائيل، قد أُطلِقَت بتوجيهٍ من هيمنةِ الأيديولوجيا اليهوديةِ–الإسرائيليةِ بالتحديد، بحيث تدورُ ضمن الحدودِ المرسومةِ من قِبَلِ هذه الأيديولوجيا ودولتِها.

كما لن تتخلصَ إسرائيلُ بذاتِ نفسِها من التحولِ إلى أسيرٍ للحداثةِ الرأسماليةِ التي ابتَكَرَتها بذاتِ يَدَيها. ولن تتقاعسَ إسرائيلُ قطعياً عن حمايةِ نفسِها ارتكازاً إلى تَفَوُّقِها في حقلِ السلاحِ التقنيّ، بما في ذلك الذّرّة؛ في حالِ شعَرَت بوجودِ القوى المتأهبةِ حولَها لخنقِها في كلِّ لحظةٍ وإغراقِها في عرضِ البحرِ العربيِّ الواسع.

بناءً عليه، إما أنه على إسرائيل أنْ تخلقَ التوازنَ مع دولٍ قوميةٍ شرقِ أوسطيةٍ متسالمةٍ معها في ظلِّ هيمنتِها هي، أو أنْ تضعَ تجاوُزَ الحداثةِ الرأسمالية نُصبَ عينَيها، إنْ كانت تودُّ الخلاصَ من حالةِ الأَسْرِ للنظامِ الذي أَوجَدَته.

ولا يُمكنُ الحديثُ في حلِّ القضايا العربية، إلا على خلفيةِ تجاوُزِ الحداثةِ الرأسمالية، وأقوى وأصحُّ خيارٍ للشعوبِ العربية، هو براديغما العصرانيةِ الملائمةِ للحقائقِ والوقائعِ التاريخيةِ والاجتماعيةِ لشعوبِ الشرقِ الأوسطِ جمعاء. والعصرانيةُ البديلةُ من أجلِ الشعوب، هي العصرانيةُ الديمقراطيةُ التي تعتبر خياراً يُشَكِّلُ طريقَ الحلِّ المستدامِ والوطيدِ ضمن معمعةِ الشرقِ الأوسط. ليس لأجلِ لقضايا العربية فحسب، بل ولأجلِ قضيةِ دولةِ إسرائيل المُحاطةِ بالوحوشِ القومويةِ والدينيةِ المتشددة، العصرانية الديمقراطية التي لَطالما كافحَت ضد الحداثةِ الرأسمالية، والتي تتألفُ من الأمةِ الديمقراطيةِ ومن مجموعِ الحركاتِ الاشتراكيةِ والأيكولوجيةِ والفامينيةِ والثقافية.

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى