
في النظام الرأسمالي وسياسة القوى المهيمنة، لا يُعد الاقتصاد مجالًا محايدًا أبدًا، بل هو الأداة الأقوى للسيطرة وإخضاعه لإرادة الشعب. عندما يخطو الأكراد خطوات نحو الاندماج الديمقراطي بقيادة أفكار الزعيم آبو، لا يقتصر العائق الأكبر أمامهم على الأسلحة والقوات العسكرية السيادية فحسب، بل يواجهون أيضًا الحصار الاقتصادي والحرب.
لا ترغب القوى المهيمنة العالمية، كالولايات المتحدة وروسيا والمؤسسات المالية الدولية ودول المنطقة، في أن يمتلك أي مجتمع إرادةً وأن يكون مكتفيًا ذاتيًا في المجال الاقتصادي. لماذا؟ لأنه عندما يكون المجتمع مستقلًا اقتصاديًا، لا تستطيع هذه القوى فرض مطالبها السياسية عليه من خلال التجويع والحصار. إن التهديد الواضح والملموس الذي يواجه الأكراد اليوم هو استراتيجية الإفقار والحاجة. فعندما تحرر قوة كردية منطقةً ما أو تُقيم نظامًا ذاتيًا، يُفرض عليها النظام المهيمن حصارًا اقتصاديًا فوريًا.
لفهم هذا الخوف، تتوفر أمثلة تاريخية ومعاصرة. فعلى سبيل المثال، يخضع نظام روج آفا (شمال وشرق سوريا) لحصار شديد منذ سنوات. وتقوم الدولة التركية والقوات المحلية بقصف البنية التحتية الاقتصادية ومحطات توليد الطاقة ومخازن الحبوب وآبار النفط عمدًا. ولا يقتصر الهدف على إلحاق أضرار عسكرية فحسب، بل يهدفون بالدرجة الأولى إلى تدمير الاقتصاد لدفع السكان إلى الهجرة والتخلي عن الثورة. ومن الأمثلة الأخرى، أنه عندما أُجري استفتاء الاستقلال في جنوب كردستان عام 2017، أغلقت دول مجاورة مثل تركيا والعراق وإيران حدودها على الفور وعلّقت الرحلات الجوية المدنية. وهذا يدل على أن الهيمنة الإقليمية تُلقي بالاقتصاد عبئًا على الأكراد.
لن تسمح لنا القوى المهيمنة أبدًا بالانتصار بسهولة باقتصادنا المستقل. ولن يستمر هذا الضغط حتى نبني أسلوبنا الخاص في المقاومة وعلاقاتنا الدولية بوعي جديد. وفي مواجهة هذه الحرب الاقتصادية الوحشية، يُعد النظام التعاوني الذي نشأ في نموذج الأمة الديمقراطية أقوى درع وأكثرها منطقية. فالتعاونيات ليست مجرد مؤسسات تجارية، بل هي خط الدفاع الطبيعي للاقتصاد الأخلاقي والسياسي. في هذا النظام، بدلاً من أن تقع رؤوس الأموال والأراضي والحقول في أيدي قلة من التجار أو ملاك الأراضي، تصبح ملكاً للشعب والجماعات.
أظهرت تجربة روج آفا وشمال كردستان بوضوح أنه عند وقوع حصارات شديدة، لا يجد الشعب سبيلاً للمقاومة إلا من خلال التعاونيات الزراعية والصناعية والحيوانية. فعندما تجتمع خمسمائة عائلة في قرية واحدة، تتحد، وتزرع حقولها معاً، وتحصد حبوبها، وتصنع خبزها. ولا يستطيع النظام الاستعماري التخلي عنها عن طريق التجويع.
تكسر التعاونيات احتكار الشركات الرأسمالية، وتمنع تحول الدخل إلى عبء ثقيل على كاهل الشعب. يسمح هذا النموذج للاقتصاد بالانحدار إلى أدنى مستوياته، أي أن يصبح ملكاً للمجتمع. وبهذه الطريقة، تنتصر روح المشاركة والتعاون على عقبات الرأسمالية.
إن مستقبل الأمة الكردية ونجاح التكامل الديمقراطي مرهونان بكسر قيود الحرب الاقتصادية وبناء وعي تعاوني. لكي لا تكون كردستان جزءاً من الحداثة الرأسمالية، من الضروري تطوير نظام التعاونيات والتضامن المجتمعي.






