أخبارالمزيدمقالات

الشخصبة الدولتية والشخصية المجتمعية

جرحى الحرب

 

مع المرافعة الاخيرة لقائد الشعب الكردي السيد عبدالله أوجلان تو ضح وانكشف معالم التناقض الاساسي في عصرنا والذي يكمن في الصراع فيما بين الحضارة الدولتية – القوموية والحضارة الديمقراطية المستندة الى القيم المجتمعية للعصر النيوليتي (عصر الثورة الزراعية والادراة الديمقراطية للمراة الام) ولكن علينا القبول بحقيقة وجود الهيمنة العالمية الحالية للحضارة الدولتية المستندة الى الذهنية السلطوية والاحتكار والتامر والكذب والخديعة. ولكي نستطيع تقييم العالم الذي نعيش فية وتقييم انفسنا بشكل سليم والوصول الحل الصائب لكل المشاكل التي يعاني منها الفرد والمجتمع والبيئة، فإننا مضطرين الى قراءة حقيقة التناقض والسمة الاساسية لعصرنا بشكل صحيح. بدون ادنى شك لا يمكن لاية شخصية في هذا العالم أن تحلل نفسها وتقييمها خارج إطار هذا التناقض الاساسي وكسمة مميزة لمجمل تاريخ الانساني بعد ظهور الدولة والمدنية الدولتية كمرض فتاك في جسم المجتمع البشري وليس نتيجة لتطوره الطبيعي الذي دام مئات الآف من السنين حتى ظهور الدولة كظاهرة مرضية سرطانية غير ضرورية في حوالي 3000 ق م ضمن جغرافية ميزوبوتاميا السفلى ( سومر ) . من هذا المنطلق يتوجب علينا ان نحلل انفسنا ونقييمها ضمن اطار هذا التناقض. بدون ذلك سوف لن نستطيع ان نفهم انفسنا وذواتنا.

المقالات الأكثر قراءة

 

مع العلم ان ام المعرفة هي وعي الذات او (أعرف نفسك ؟) . على ضوء هذا التوضيح المختصر يمكننا ان نصنف الشخصية الى ثلاثة أنماط بشكل عام ونحدد الخطوط العريضة لها على اساس السمات الميميزة للعصر الذي نعيش فيه. النمط الاول هي الشخصية الدولتية – القوموية والسلطوية . هذا النمط سائد وله تأثير واضح وكبير جدا . لان النظام العالمي بقيادة امريكا يسعى الى خلق وتكون مثل هذا النمط عبر ترويض الشخصية وتغذيتها بالثقافة الاستهلاكية الرخيصة للحداثة . مثل هذا النمط من الشخصية فقدت جذورها واصالتها ونبالتها وروحها الانساني، والاهم من هذا كله فقدت اخلاقيتها المجتمعية المتمثلة في الصداقة والاخوة والجرية والتعاون والتضامن والصدق والحميمية والحنية والتواضع وحب الضيافة والطبيعة والبيئة . بل اكتسبت روح الانانية والفردياتية والكراهية والحقد على كل ما هو انساني . لذا تحولت الى اداة بسيطة ورخيصة بيد الدولة ونظم الفاشية والقوموية تحت اسم ( مواطن شريف ) . يمكن أن نلتقي بهذه الشخصية في أي بيت او شارع او حي او مدينة . وحتى القروي الذي يعيش في القرية النائية على اطراف البعيدة عن مركز المدينة لم يستطيع ان يحمي شخصيته من هذا الوباء السرطاني الخطير والمتمثل في الثقافة الحداثوية للراسمالية العالمية .

مثل هذه الشخصية تحولت الى نموذج ومثال يحتذى به في الاعلام والسينما والتلفزيون والانشطة الرياضية المتنوعة . فالنظام العالمي الظالم والذى حول كل شيئ وحتى اعضاء جسم الانسان الى بضاعة معروضة في السوق ، يوجه الانسانية نحو اتخاذ هذه الشخصية وخصوصياتها الشكلية والجوهرية أساسا لها . وكما يمكن القول بان النظام بقيادة أمريكا وأنكلتزا وحلفائهم يمارسون أشنع وافظع حرب ضد البشرية ولم يسبق لها مثيل من خلال تصفية روح المجتمعية واخلاقياتها الانسانية ضمن الشخص وتشحين الفرد والمجتمع بروح العداء القومي والتعصب والاستعلاء على الغير ونشر العنف والصراعات الدموية والفوضى والصخب والارتباط باجهزة الدولة ورموز النظام كآلهة بدلا من الارتباط بالمجتمع والاخلاق الانسانية النبيلة . هذه الشخصية منتشرة في مجتمعات الشرق الاوسطية ، فمثلا نرى النموذج البارز لهذه الشخصية في المجموعات الفاشية القوموية التركية المعادية للشعب الكردي ولكل شعوب المنطقة . مثل هذه المجموعات تشكل الارضية الخصبة لتنظيم عصابات الاركنكون التركية المرتبطة بالمخابرات الامريكية CIA والموساد الاسرائيلي . يمكن القول بان السمة المميزة البارزة والاساسية لهذه الشخصية ، هو العداء للمرأة واستغلال جسدها تحت اسم الحداثة وحتى الاتجار بجسدها كمادة قابلة للبيع والشراء .

النمط الثاني يتمثل في الشخصية التي تعيش تاثيرات الدولة والسلطة والذهنية القوموية للحضارة الدولتية الطبقية السائدة ، الى جانب تأثيرات المجتمعية الباقية من العصر النيوليتي – القروي – الزراعي . هذه الشخصية تعيش أزمة روحية ومعنوية ، لانها قلقة على مصيرها ومترددة وخائفة ومتشائمة ويائسة . وهي تقف على مفترق الطرق ولا تستطيع الوصول الى الارادة اللازمة لتحديد موقعها او موقفها ضمن اطار الصراع الدائر . وهي تعيش الانانية والفرد ياتية الى جانب ميلها الى الجماعية والتعاون والتضامن والصداقة والعدالة والحرية . ولكنها لا تملك الارادة والقوة والوعي والتنظيم والممارسة اللازمة من اجل الدخول في الصراع ضد الثقافة الاستهلاكية الحداثوية – المادية بل تعيش فيما بين مخالبها الوحشية وفي كل يوم تخون خيالها الانساني وتنزلق في مستنقع ثقافة النظام . ولذا تفقد جذورها الاجتماعية والثقافية في الممارسة العملية وتعيش تناقضا حادا فيما بين تصوراتها وهواجسها الاجتماعية والنفسية من جهة ونمط حياتها العملية من جهة أخرى. يمكن العثور على هذه الشخصية بكثرة وحتى ضمن الحركات الديمقراطية الاجتماعية والفامنية التي تدعي المعارضة ضد النظام الدولتي – الذكوري – القوموي الميهمن . مثل هذه الشخصية مترددة في عبادتها فيما بين الإله الجديد المتمثل في الدولة القوموية – الحداثوية والإلهة الام الديمقراطية – الكومونالية .

وهي تحاول ممارسة الحب والهيام مع الإلهين في وقت واحد . وكما يمكن العثور على هذه الشخصية ضمن المجتمع العربي والكردي كثيرا وخصوصا المجتمع السوري والكردي في غربي كردستان حيث يحوي ضمن اطاره مثل هذا النمط الذي يشكل أرضية خصبة لاستمرار سيطرة النظام السوري البعثي – القوموي على المجتمع والفرد وبالتالي يلعب دورا اساسيا في سد الطريق امام ظهور معارضة اجتماعية ديمقراطية ضد ممارسات النظام الذى حول الفرد والمجتمع الى جيش من العاطلين عن العمل لا حول لهم ولا قوة عبر سياسة التجويع والترهيب . هذه الشخصية كما قلنا امام مقترق الطرق ، اما سوف تتحرر من براثن الثقافة السلعية الاستهلاكية للحداثة وتتحرر من قيود الخوف وتتجذر نحو الديمقراطية على اساس تنظيم اجتماعي كومونالي واما سوف تستمر في حياة بائسة وفارغة من كل معنى وتسير نحو الانهيار تحت هيمنة روح الفاشية والتعصبية والقومية والمذهبية للنظام . اما النمط الثالث والاخير للشخصية ، فهي تلك التي وصلت الى مستوى من الوعي والذهنية والممارسة الديمقراطية على قاعدة الاخلاق الاجتماعية العريقة . وهي متطلعة الى آمال الحرية وتملك الذهنية والوجدان والقدرة العملياتية لترجمة روح الكومونة الاجنماعية في الحياة . لانها متحررة من ذهنية التسلط والاستعلاء القومي او العبودية للآلهة العصريين ( الاعلام الحداثوي وثقافتها التلفزيونية ونمط استهلاكها المفرط ) . بدلا من مفهوم ( المواطن الشريف ) المتحول الى عبد واداة بيد أجهزة الدولة تتمسك هذه الشخصية بمفهوم ( المواطن الحر ) .

 

ولكنها تربط الحرية بالأخلاق المجتمعية . حيث انها لا تنخدع ولكنها لا تخدع ، لا تعبد الدولة ولا تسعى الى تحويل احد الى عبد عصري ، تبتعد عن روح المؤامرة والحيلة والألاعيب والكذب والمماطلة في علاقاتها . لا تتخذ من مبدأ ( حلال على الشاطر ) الاناني والفردي أساسا في تصرفاتها . بل تعتمد على الوجدان والضمير الاجنماعي الحي . لا تستند على التقليد والسرقة ، بل تحاول الابداع والانتاج بالاعتماد على قوتها الذاتية والتراكم التاريخي للانسانية . الروح المتواضعة وحب الخير من صفاتها ، وكما لا تتمسك بالقوالب الجامدة والدوغمائية، بل الجريان مع مقتضيات الحياة وتغييراتها من علاماتها البارزة . مثل هذه الشخصية لا ترفض القيم الديمقراطية العصرية ، بل تملك ذهنية واسعة لاستيعابها بشكل سليم وربطها بالمعنويات والاخلاقيات الانسانية المتجذرة في التاريخ . ولكنها ترفض الركض وراء الاهواء والرغبات الانانية والشهوات التي تثيرها النظام عن طريق الاعلام والسينما والفن والرياضة والشذوذ الجنسي تحت اسم الحرية والحقوق الفردية او الشخصية . ولان هذه الشخصية لا تضع الحدود المصطنعة الفولاذية بين الفرد والمجتمع ولاتؤمن بوجود تناقض طبيعي فيما بين الاثنين . بل تدمج مصالح الفرد والمجتمع على اساس حياة الكومونة وروحها . هذا النمط من الشخصية تمكن من الظهور ضمن حركة حرية كردستان بقيادة pkk على نهج فلسفة القائد عبدالله اوجلان كنموذج ومثال يحتذى به .

 

لانه نمط يأمن بالتحرر الجنسوي وبإيديولوجية تنظيم المجتمع خارج اطار الدولة وبذهنية إيكولوجية كومونالية . شهداء حركة الحرية ( زيلان – شيلان – بريتان – كمال بير … الخ ) . هم الامثلة الرائعة لهذا النموذج من الشخصية الاشتراكية – الديمقراطية والكومونالية الحقة . وفي النهاية يمكن القول ، بان الانسانية اذا أرادت أن تحل مشاكلها وتسد الطريق امام القيامة والانهيار الاجتماعي والبيئي ؛ فإنها مجبرة على صرف الجهود من اجل خلق البديل عن الشخصية العبودية الدولتية المعاصرة. والبديل يتجسد في الشخصية الديمقراطية الكومونالية التي تستطيع بناء حضارة ديمقراطية معاصرة على قاعدة الوحدة والتعاون فيما بين الفرد والمجتمع وعلى اساس بناء المنظومة الاحتماعية الكونفدرالية خارج اطار مجتمع الدولة الرسمي . لذاعملية خلق الانسان وتكوينه من جديد ، ضرورة لا بد منها للوصول الى بديل وتجنب الوقوع في مستنقع الحداثة الملوث بالقمع والابادة الجماعية الدموية والحروب .

الرفيق الشهيد حسين شاويش – كاتب وسياسي كردي شهير.

28 – 5 – 2009

المقالات الأكثر قراءة

تحقق أيضا
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى