
يدعى بان تاريخ السياسة تعود إلى نشوء أولى المجتمعات البشرية المنظمة، الى التاريخ المدنية حيث تطورت الأفكار والممارسات المتعلقة بالحكم والسلطة بشكل مستمر عبر العصور. وقد نشأت أولى الدول في سومر ومصر القديمة حوالي عام 3000 قبل الميلاد. المراحل الرئيسية لتطور الفكر السياسي تبدأ من العصور القديمة اليونان وروما حيث تُعد هذه الفترة حجر الزاوية للفكر السياسي الغربي. فقد استخدم الفيلسوف اليوناني أرسطو مصطلح “السياسة” للإشارة إلى دراسة دولة المدينة وتنظيمها الصحيح. ومن أبرز مفكري هذه المرحلة أيضاً أفلاطون الذي ناقش في كتابه “الجمهورية” فكرة الدولة المثالية والقائمة على الفضيلة. كما ساهمت الحضارتان الصينية والهندية القديمة بأعمال رائدة مثل مخطوطات كونفوشيوس. اما في العصور الوسطى فقد هيمنت الأفكار الدينية والفلسفية المرتبطة بالسلطة الكنسية والإمبراطورية على المشهد السياسي في أوروبا. في المقابل، شهد العالم الإسلامي تطورات في الإدارة والسياسة الإسلامية بصيغة معاوية والذي طور مفهوم الإسلام السياسة في منهجه. هيث ارتبطت السياسة بمبدأ الشورى والبيعة. اما عصر النهضة والإصلاح قد بدأ التحول نحو فصل السياسة عن الدين، وكان من أبرز رواد هذه المرحلة نيكولو مكيافيلي الذي ركز على الواقعية السياسية وضرورة فصل الأخلاق عن السياسة. اما في عصر التنوير ظهرت نظريات “حقوق الفرد ” التي ركزت على حقوق الأفراد وسيادة الدولة. من أهم فلاسفة هذه الفترة توماس هوبز، جون لوك الذين شرعوا الثقافة الدولتية وطوروا العبد الحر (المواطن العالمي الحر)، مدعين بان أفكارهم وتمثل الديمقراطية الحديثة وتطورت السياسة اصطلاحياً بشكل أعمق في القرن التاسع عشر والقرن العشرين مع الثورة الصناعية، ظهرت مذاهب سياسية كبرى مثل الليبرالية والرأسمالية والاشتراكية المشيدة. شهدت هذه الفترة أيضاً تأسيس علم السياسة كاختصاص أكاديمي في جامعات وتحول الى علم يشل المجتمعات واصابته بالعقم ذهنيا.
اننا نستنتج بان هذه السياسات تمنح حقوق الدولة أولوية مطلقة على حساب حقوق الفرد تُحدث تأثيراً سلبياً واسع النطاق ومدمراً على الشعب والمجتمع، ويمكن تقييم تأثيراتها السلبية بشكل أوسع من خلال عدة جوانب رئيسية منها الجوانب المتعلقة بانتهاكات الحقوق والحريات فالقمع السياسي وغياب المشاركة هي احد الانتهاكات، حيث تستخدم الأنظمة التي تتبنى هذا النهج القمع للسيطرة على المواطنين ومنعهم من المشاركة في الحياة السياسية أو التعبير عن آرائهم المعارضة. وهذا يخلق بيئة من الخوف والصمت، مما يحرم المجتمع من التنوع الفكري والنقد البناء اللازم لتصحيح المسارات السياسية وهذا ما نراه في كل الأنظمة ان كانت في الشرق الأوسط والغرب أيضا. ومن جانب اخر تقييد الحريات الأساسية، يتم تقويض حريات التعبير، والتجمع، وتكوين الجمعيات، والصحافة ويشمل ذلك فرض رقابة صارمة على وسائل الإعلام والإنترنت، وحظر التظاهرات السلمية، وملاحقة النشطاء والمدافعين عن حقوق الإنسان، مما يؤدي إلى تضييق المجال العام وحرمان الأفراد من آليات التعبير عن مظالمهم .القانون هي الدولة، ان غياب سيادة القانون يضعف مبدأ سيادة القانون عندما تكون الدولة فوق المحاسبة، يتم استخدام القضاء كأداة لتنفيذ سياسات الدولة بدلاً من حماية حقوق الأفراد، مما يؤدي إلى اعتقالات تعسفية، ومحاكمات غير عادلة، وغياب العدالة. وهنا القانون بيت الدولة وسجن بيت الشعب.
الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والنفسية تفرض ذاتها بكل ثقل وهذا بتفاقم التفاوت الاجتماعي، ان السياسات التي تقررها الدولة مركزياً دون مراعاة الاحتياجات المحلية أن تزيد من الفوارق في التعليم، والرعاية الصحية، والفرص الاقتصادية بين مختلف المناطق والفئات الاجتماعية، مما يولد شعوراً بالظلم والتهميش. وهذا يؤثر على النفسية المجتمع والفرد، فالتأثير النفسي والسلوكي هي حالة تعكس الواقع الحقيقي لما ألت به الدولة و ما يعانيه الأفراد في ظل الأنظمة القمعية من آثار نفسية سلبية كبيرة، مثل القلق المزمن، والرهاب، والشعور بالعجز، نتيجة العيش تحت ضغط مستمر وعدم القدرة على التخطيط للمستقبل بثقة. وهذا مايخلق معه تآكل الثقة الاجتماعية حيث يؤدي القمع وغياب الشفافية إلى تدمير الثقة بين المواطنين والحكومة، وأحياناً بين المواطنين أنفسهم، مما يعيق التماسك الاجتماعي والتعاون اللازم لمواجهة التحديات المشتركة.
علينا التنويه بشدة الى الجوانب المتعلقة بالاستقرار والأمن، فسياسة الدولة والزمرة القاتلة تعتمد على القمع بدلاً من الشرعية وهذا في حالة فقدان الأنظمة دعم الشعب، فإنها تعتمد بشكل أكبر على القوة والقمع للبقاء في السلطة، مما يجعل استقرارها هشاً ويعتمد على العنف بدلاً من الشرعية والموافقة الشعبية. وهذا ما يخلق معه الصراعات الداخلية والاضطراب حيث تؤدي الاستياء المتراكم من القمع وانتهاكات الحقوق إلى زيادة احتمالية نشوب صراعات داخلية أو اضطرابات اجتماعية عنيفة، حيث يصبح لدى الأفراد القليل ليخسروه عندما تُسلب منهم كرامتهم وحرياتهم.
باختصار، فإن إعطاء الأولوية لحقوق الدولة على حقوق الفرد يؤسس مجتمعات غير متوازنة، تعاني من القمع، وغياب العدالة الاجتماعية، وضعف الاستقرار على المدى الطويل.
حينما نتطرف الى فكر القائد عبد الله اوجلان وتقييماته على السياسة سنرى الاختلاف الواضع والجلي في مفهومه ونهجه السياسي، حيث يرى القائد اوجلان أن السياسة يجب أن تتحول من كونها أداة للسلطة والقسر إلى وسيلة أخلاقية لخدمة المجتمع، كما يؤكد أن السياسة الحقيقية يجب أن تكون بمشاركة شعبية يومية، قائمة على العدالة والمساواة، وليست مجرد سلطة فوقية أو أداة قمع بل يجب ان تكون سياسة الأخلاقية، أي فتح المجال أمام مشاركة أوسع في الحياة المدنية ويقلل من العنف المسلح ، بحيث تكون وسيلة لخدمة المجتمع لا لإخضاعه. لأننا ارتأينا كيف فقدت السياسة معناها حين انفصلت عن القيم المجتمعية وكيف تحولت إلى أداة احتكار بيد الدولة المركزية والعقلية الذكورية.ويطرح مفهوم “السياسة المجتمعية” التي تُمارَس من القاعدة إلى القمة، عبر المجالس والكومينات والكونفدراليات الديمقراطية، بدلاً من أن تكون حكراً على مؤسسات الدولة السلطوية. كما اعتبر تحرير المرأة شرط أساسي لتحرير السياسة من السلطوية، ويرى أن أول انكسار أخلاقي سياسي في التاريخ حدث مع استعباد المرأة. لذلك يربط بين تحرر المرأة وبناء سياسة أخلاقية جديدة القائد أبو يرى أن تحرر المرأة هو الشرط الأساسي لتحرر المجتمع والسياسة، ويعتبر أن أي مشروع ديمقراطي لا يمكن أن ينجح دون مشاركة المرأة الفاعلة في كل المستويات.






