رشيد هركول.. اسم لا يُنسى في ذاكرة مقاومة روج آفا

ترك أربعة مقاتلين كرد، بينهم مقاتلتان من وحدات حماية المرأة YPJ، ملحمة بطوليَّة في صحراء دير الزّور، كان من أبرزهم رشيد هركول الّذي اختار المقاومة حتَّى اللّحظة الأخيرة بدل الوقوع في الأسر.
بينما ترغب روج آفا في وضع حدٍّ لسنوات من الصّمت والجفاف، تهطل فيها أغزر أمطار السَّنوات الأخيرة، ترتوي الأرض بالماء، وبعد سنوات طويلة تتزين هذه الجغرافيا من جديد بألوانٍ متعدَّدةٍ، هذا الرَّبيع، بألوانه الأخضر والأبيض والأصفر والأحمر، يُظهر جماله أمام الأعين.
بعد عدَّة أشهر، أنا مرةٌ أخرى في ديرك، في مزار الشَّهيد خبات ديرك، في هذا المزار، دُفِنَ بشكلٍ أساسي الرّفاق القادمون من شمال كردستان وتركيا الّذين انضمُوا إلى ثورة روج آفا واستشهدُوا في أوقاتٍ مختلفةٍ. هذا المزار الّذي يقع مقابل جبل جودي تحوّل الآن إلى بحر من ألوان ربيع روج آفا، وعلى كلّ ضريح نبتَتْ زهرةٌ، وهذه الزّهور تحتضن الشُّهداء.
كان الرَّفيق رشيد، الّذي جاء قبل أشهر من دير الزّور إلى قامشلو من أجل فحص طبي، قد اقترح ذلك، منذ مدَّةٍ طويلةٍ لم نتمكن من زيارة رفاقنا الشُّهداء في مزار الشَّهيد خبات ديرك في ديرك، وكان علينا أنْ نضع خطَّةً لذلك، وبعد الفحص الطّبي مباشرة، كان هذا أول ما قمْنا به، توجهنا بصمتٍ نحو المزار الّذي يبعد ساعةً ونصف عن قامشلو، والسَّاعة الّتي قضيناها هناك تحوّلت إلى حديث داخلي وصامت مع الشّهداء.
عند الخروج قلت لرشيد: “إذا استشهدْتَ، فيجب أنْ تُدْفَنَ في دير الزّور، لأن ساحة عملك كانت هناك”، فأجاب رشيد، بعزمٍ ظاهرٍ على وجهه وبابتسامة: “في النّهاية سنلتقي هنا في هذا المزار”. ثمَّ أضاف: “أنا أريد أنْ أرى ثورة شمال كردستان”.
في ذلك اليوم دخلنا أنا ورشيد وحدنا إلى ذلك المزار، أما الآن فإنَّنا ندخلها مع مئات الأشخاص، والشَّهيد على أكتاف رفاقه وشعبه، الّذين فدى حياته من أجلهم، ملفوف بعلم الكردي.
هناك بعض أناس لا يُعرف اسمهم كثيراً، لكنَّهم بثباتهم ووزنهم المعنوي يصبحون مركزاً للحلول في المكان الّذي يوجدون فيه، ويُرشدون الطَّريق، عمل هؤلاء النّاس لا يرتبط بالمظهر أو العمر أو المكانة الاجتماعيّة، بل بشخصيّتهم وطباعهم وتجاربهم، ومن خلالها يتقدَّمون بشكلٍ طبيعي إلى دور القيادة والرّيادة.
كان الرَّفيق رشيد هركول (محمد أمين آجار) واحداً من هؤلاء الرّفاق، منذ انضمامه إلى الحزب عام 2008، ومع المهام المهمَّة الّتي أخذها داخل الحزب، كان دائماً يسعى إلى تطوير نفسه، القراءة، وتجديد ذاته، حمل ثقافة القراءة الّتي اكتسبها في سجون تركيا إلى أصعب السّاحات، وحافظ دائماً على الكرامة الثَّوريَّة.
بهذه الميزة جعل رشيد من الثَّوريّة منهجاً متكاملاً لنفسه، ففي الأعمال الاجتماعيَّة كان صاحب معرفة نظريَّة وأيديولوجيَّة، وفي الميدان العسكري كان قائداً طليعيَّاً وشجاعاً، وكأي كادر ثوري من حزب العمال الكردستاني، لم يمد يده للاستسلام للعدو.
عندما شنّت هيئة تحرير الشَّام هجومها على روج آفا، كان الرَّفيق رشيد هركول ومجموعته من بين الرَّفاق الّذين قادُوا المقاومة في دير الزّور، وحتَّى مع قرار قوات سوريا الدّيمقراطيّة بالانسحاب من دير الزّور، هاجمت هيئة تحرير الشَّام بوحشيّة، لكنَّ الرَّفيق رشيد لم يتراجع خطوةً واحدةً في مواجهة هذا الهجوم، ومن خلال هذه المقاومة تمكن من إنقاذ عشرات الرّفاق أحياء.
ثقافة حزب العمال الكردستاني الّتي تقول: “لا تترك جبهتك” جعلتهم يُحاصرون في صحراء دير الزّور. لكنَّ الحصار أو السّاحة المفتوحة لا يعنيان الكثير بالنَّسبة للأبطال؛ المهم هو المقاومة والإرادة نحو النَّصر.
بهذا التَّصميم، وفي فجر يوم الأحد 18 كانون الثّاني، أرسل رشيد رسالة أخيرة إلى قيادته، وقال إنَّ اثنين من رفاقه في مجموعته استشهدا، وكانت إحداهما امرأة، وإنَّهُ هو نفسه أُصيب برصاصتين، وبعد لحظات، ومع رفيقته الجريحة، سيقومان بعمليَّة فدائيّة بآخر رصاصاتهما كي لا يقعا أحياء في يد المرتزقة الرَّجعيّين.
في صباح 18 كانون الثّاني، في صحراء دير الزّور، ترك أربعة مقاتلين كرد، مقاتلتان منهم من وحدات حماية المرأة YPJ، ورائهم ملحمة من المقاومة، وانضمُوا إلى قافلة شهداء نضال الحرّيّة في كردستان، وكانت شهادتهم عظيمة بقدر مقاومتهم، أما المرتزقة الّذين تجرؤوا بعد ساعات على دخول ساحة المقاومة، فقد ارتكبُوا، بغضب هزيمتهم أمام أربعة شبان كرد، أفعالاً منافية للإنسانيّة بحقّ جثامين الشُّهداء.
ووري جثمان رشيد هركول الثّرى في مزار الشَّهيد خبات ديرك، في تراب الوطن المقدس، أما إرث المقاومة الّذي تركه ورائه، فما يزال حيّاً في قلوب شعبه ورفاقه.






